الجمعية الفلسفية التطوانية
Asociación Filosófica Tetuaní (AfT), jamiafalsafiatetuania@yahoo.es
في الحفل الافتتاحي بمناسبة اليوم العالمي للفلسفة: "هل لدينا غير هذا المغرب الذي تغربنا في محبته

جانب من حفل الافتتاح

بومة الحكمة في "الفدان"

بمناسبة اليوم العالمي للفلسفة لعام 2009، وضعت "الجمعية الفلسفية التطوانية" برنامجا احتفاليا حافلا بالمحاضرات والندوات والمعارض (صور الفلاسفة المغاربة والأجانب تحت شعار "من صداقة الحكمة إلى صداقة الحكماء") وحلقات نقاش (أي فكر مغربي مستقبلي) كان مدارها حول "الفلسفة ومصير عالمنا الراهن". وحسب فقرات هذا البرنامج، فقد احتضنت مؤسسة الرازي للتعليم الخصوصي بتطوان يوم الخميس 19 نوفمبر 2009 على الساعة الرابعة عصرا حفل افتتاح هذه الدورة بحضور جمهرة من المثقفين والأساتذة والتلاميذ والمواطنين حيث تعاقب على منصة الخطابة ثلة من المدعوين كان أبرزهم قيدوم أساتذة الفلسفة في تطوان الأستاذ أحمد المرابط. ومما جاء في الكلمة العامة التي ألقاها محمد بلال أشمل بهذه المناسبة ما يلي:    

 

(..) يطيب لي الترحيب بكم في الحفل الافتتاحي الذي تنظمه جمعيتنا بمناسبة اليوم العالمي للفلسفة. إنه يوم رمزي في تاريخ حياتنا العقلية الوطنية؛ ننخرط فيه بوعي وبمسؤولية، على امتداد أسبوع حافل بالأنشطة الثقافية والمبادرات الفكرية مشاركة منا أهل الصنعة احتفالاتهم الدولية الجارية في مختلف أصقاع العالم.

أيها الحضور الكريم:

لقد تأسست جمعيتنا يوم 26 من 2006 من لدن ثلة من المفكرين والمثقفين المغاربة الذين يعيشون ويشتغلون في مدينة تطوان. إن خصوصية التخوم الجغرافية، وإكراهات التاريخ القريب والبعيد، جعلتنا ننهض بمسؤولية تقديم نمط جديد من التداول الفكري في خريطة فكرنا الوطني وهو العناية بالفكر الفلسفي أساسا، وبالفكر المغربي منطلقا، وبالفكر الإسباني تحاورا، وبالفكر الإنساني امتدادا؛ تكثيرا منا لأسباب التلاقح الثقافي مع الفكر الفلسفي العالمي. ولقد قطعنا شوطا لا يستهان به في هذا المجال حتى صرنا نعرف، لدى المهتمين بالشأن الفكري والثقافي في بلادنا والعالم، بهذه الميزة في مجموع التداول الفكري المغربي، وصارت مدينتنا، بفضل ذلك، مشهورة الأثر في بعض المحافل الإسبانية والأمريكولاتينية، بحياتها العقلية والفكرية إلى جانب فضائل أخرى تعزز مكانة بلادنا في المنتظم الفكري العربي والدولي، بل وصرنا، على حداثة عهدنا بالتأسيس، أحد المخاطبين الأساسيين لقسم "الفلسفة والعلوم الاجتماعية" التابع لمنظمة اليونيسكو بباريس، في بلادنا، ومن ثم أصبحنا نتوفر على رصيد محترم من الإنجازات الثقافية في التقرير السنوي لليونيسكو المتعلق بالفلسفة وحياتها. إن عود جمعيتنا طري، ومع ذلك فقد تحصل لدينا مجموع طيب من المبادرات الفكرية والأنشطة الثقافية والمشاريع المستقبلية استطعنا بفضلها، ولأول مرة في تاريخ تداولنا الثقافي، جعل الفلسفة، بما هي معرفة وموقف من العالم، عنصرا أساسيا في عموم الانشغالات الثقافية؛ ليس فقط لدى النخبة من المواطنين، بل ولدى الفئات المتعلمة التي نراهن على صفاء طويتها المعرفية لكي تبذر البذار الطيبة من أجل نهضة متجددة لوطننا. وهكذا فقد قرت عزيمتنا، منذ تأسيس جمعيتنا على الحضور الدائم في المؤسسات التعليمية العمومية والخصوصية التي نعتبرها تربة المستقبل والمكان المناسب لاختبار الحدوس والتصورات حول وطن الإرادة؛ فكانت المؤسسات التعليمية العمومية والخصوصية بتنسيق كامل مع السلطات التربوية في مدينتنا هي من تحتضن بعض فقرات الاحتفالات التي أقمناها بمناسبة اليوم العالمي للفلسفة منذ تأسيس جمعيتنا. ولقد ساعدنا على ذلك أن أغلبنا ينتمي إلى حقل التربية والتعليم بمعناه الخاص والعام، ويدرك بوعي وقلق، حجم المسؤولية الفكرية والأخلاقية الملقاة على عاتقه لكي يقوم بما يقتضيه المقام من المشاركة من موقعه، ببناء المشروع الوطني على هدي قيم الحق والخير والجمال. وهكذا ضمنا الحضور الواقعي في النسيج الثقافي والتربوي داخل مدينتنا وبلادنا وخارجهما، حيث قمنا بما اقتدرنا عليه من أعمال فكرية، ومن مبادرات ثقافية متجاوزين حالة الترهل الثقافي التي أصابت بعضنا، وغير ملتفتين إلى هذه العدمية الرهيبة التي يبرر بها البعض تقاعسهم عن القيام بواجبهم الفكري والثقافي والتربوي تجاه مدينتهم ووطنهم. كما ضمنا حضورنا الافتراضي على الشبكة الرقمية حيث جعلناها مرآة للحياة العقلية كما هي جارية في خصوص مدينتنا أو في عموم بلادنا أو في مجموع العالم؛ ساعدنا على ذلك اصطناعنا لوسائل الاتصال الحديثة عبر شرفتنا التواصلية التي حققت لنا انتشارا مهولا في الفضاء الافتراضي، وأثمرت لنا صداقات روحية وعقلية وفعلية مع أطراف عديدة من صناع الفكر والثقافة في نقاط متعددة من الأرض. إن الطريق شاقة وطويلة لكي نحقق غاياتنا الفكرية والثقافية، ولكن آمالنا أوسع من المسافات، وإرادتنا أقوى من الإحباطات، وعزيمتنا أصلب من الآفات. أليس على قدر أهل العزم تأتي العزائم؟

 أيها الحضور الكريم:

إن اليوم العالمي للفلسفة الذي تلتقي اليوم للاحتفال به، انطلق العمل به منذ عام 2002 من لدن اليونيسكو، وتم تسجيله كيوم عالمي في لائحة الأيام الوطنية عام 2005. ومنذ عام 2006، العام الذي أسسنا فيه "الجمعية الفلسفية التطوانية"، دأبنا على الاحتفال به، عبر تنظيم جملة من الأنشطة الثقافية والندوات الفكرية والمعارض وحلقات النقاش الفلسفية امتد مداها إلى خارج المدينة في المنتديات الثقافية الواقعية منها والافتراضية. إنه يوم يكثف رمزية العقل في تأمله للعالم، وتجديد سؤاله القلق بواقعه ومصيره، وإعادة صياغة موقفه من قضايا الإنسان المصيرية، والسعي إلى وضع تصوراته بصدد المحيط العام الذي يعيش فيه هذا الإنسان كوجود قيمي، شخصي، يستحق أن يعيش بكرامة وحرية. ولهذا فقد كانت السنوات الماضية التي احتفلنا فيها بالفلسفة-الذي هو في الواقع احتفال بالإنسان في كليته وفي محيطه في عموميته- مناسبة تأملنا فيها "الفلسفة في عالمنا"، وأنجزنا "التفكير في المغرب: الوجود والمصير"، وسعينا إلى "التأريخ للفلسفة في تطاون" باعتبار الفلسفة نمطا من الوجود العقلاني الواعي بوجوده ضمن كلية حسية وروحية هي المغرب، اخترنا الانتماء إليها بحرية مسؤولة، مختارة، واعية، وملتزمة في نفس الوقت عن طريق "المدينة" بما هي كيان حداثي، يعزز وحدتنا الوطنية وثراءنا الفكري وغنانا الثقافي.  أما هذا العام، فقد اخترنا الاحتفال باليوم العالمي للفلسفة بوضعها في مرمى المصير باعتبارها سؤالا مستقبليا بامتياز. وهكذا صغنا موضوع وقضية هذا العام: "الفلسفة ومصير عالمنا الراهن". إن سؤال المصير سؤال فلسفي بامتياز. ومن منطلق الانتماء إلى الفلسفة خصوصا، والانتماء إلى الفكر عموما، أحببنا العناية بالعالم في مصيره وصيروته: إن الصيرورة العامة لعالمنا تبعث على القلق: الدمار البيئي الذي لحق بعالمنا، التردي الروحي الذي أصاب الإنسان، العلاقات الإنسانية التي ارتهنت للعنف والحرب والعدوانية، الحقوق المادية والمعنوية المهضومة في كل شبر من الأرض المعمورة، القلق العام الذي ينتابنا كآباء من مستقبل أبنائنا الأخلاقي في ظل انعدام أو تشوش النموذج الأخلاقي الذي ينبغي أن يكون الإسوة والمثال.... كل هذه الأمثلة ونظيراتها، تجعلنا نقلق على حالة العالم، لأنه بيت الإنسان الذي نعنى به في المقام الأول، ولو لم نقلق على بيت الإنسان أكان سيكون معقولا قلقنا على الإنسان؟  هكذا أحببنا إثارة سؤال المصير: مصير القيم إذا وجدت، ومصير الإنسان إذا كرم، ومصير عالمه إذا كان آمنا.

أيها الحضور الكريم:

كان سيكون مستحيلا منذ سنوات أن تنهض فئة من الناس وتدعو إلى الاحتفال باليوم العالمي للفلسفة لأن الوضع العام في بلادنا كان حبيس سوء فهم كبير،غير مبرر معرفيا ولا سياسيا ولا ثقافيا مع الفلسفة وأهلها، ولاسيما في مدينتنا التي عرف عنها الاشتغال بالسمعيات دون العقليات. لقد جرى ماء كثير تحت قنطرة المغرب. وصار في إمكاننا الحديث عن رمزية الاحتفال بالفلسفة فيما هي احتفال بالعقل والعقلانية على تعدد أنماطها وتنوع طرائقها. الحفلة لحظة وجودية للتأمل في العالم والفرح به. إنها بمثابة استراحة المحارب الذي هو بسبيله إلى تغيير هذا العالم. ولكن هل ترانا فهمنا هذا العالم لكي نغيره؟ ولقد قدر لنا شخصيا أن نكون المبادرين منذ عام 1995  إلى الاحتفال بالفلسفة عبر المساهمة في تجديد الدرس الفلسفي في مدينتنا، والتفكير ثقافيا في القضايا الفكرية التي تقتضيها مسؤولية الاشتغال بالفكر الفلسفي في أفق ثقافي وتاريخي مثل المغرب، المرمي في أقصى الوجود، ومثل تطاون المتروكة في أقصى العدم، عسى نفهم هذا العالم لكي نقتدر على تغييره. هاهنا بالضبط تقع مسؤوليتنا كرجال الفكر بين أقصى الوجود وأقصى العدم: أن نستحق انتماءنا إلى شرطنا المعرفي والتاريخي والثقافي. هكذا ساهمنا في تصالح الناس مع الفلسفة حيث ربحنا رهان المفارقة السيزيفية: المجتمع الذي يعادي الفلسفة ويسخر منها هو ذاته المجتمع الذي يرسل أبناءه إلى تحصيل العلم بها. ولنكن واقعيين: لقد ربحنا نصف الرهان، أما الرهان كله فمتروك للصراع الاجتماعي والتاريخي الذي يتجاوزنا كأفراد إلى مصير المجتمع عموما. وليس مسعانا إلا كمن قال "إشعال شمعة أفضل من لعن الظلام".

أيها الحضور الكريم:

لا لم نحتفل بالفلسفة بمفردنا. هاهو المجتمع الذي تمثلونه يحتفل معنا. ولأول مرة في تاريخ التداول الثقافي والفكري في مدينتنا يتم هذا التصالح الصريح بين الفلسفة والمجتمع حيث جاء المجتمع يستطلع "طلسم" الفلسفة، وهاهم أهل الصنعة يقدمون نواياها الحسنة تجاه المجتمع: كأني بمشروع تسوية بين الفلسفة والمجتمع جار تفعيله اليوم ينهض بمقتضاه كل طرف بمسؤوليته تجاه قضية مشتركة هي قضية "المستقبل" المتمثل في أبنائنا: فحين يتعلق الأمر بمستقبل أبنائنا ليس هناك مجال للاختلاف ولا للمناورة. لا بد من الاتفاق على صيغة تسوية لأن المستقبل الذي نحن بصدد بنائه ليس في النهاية إلا مستقبل الوطن، فهل لدينا غير هذا المغرب الذي تغربنا في محبته بين أقصى الوجود وأقصى العدم؟

ودعوني قبل أن أختم كلمتي أن أسوق إليكم تأملا آخر بصدد هذه المناسبة: لقد بقي على أهل الفلسفة أن يربحوا نصف الرهان الآخر: أن يخرجوا من الليسيوم إلى "الأغورا" ويغادروا "الأكاديمية" إلى الساحة العمومية،  ويهبطوا "الفدان" من "براعم الرازي"... عليهم أن يصنعوا صنيع الفلسفة في نشأتها الأولى، أن يعودوا بها إلى أصلها ومنشئها في الساحة العمومية فتساهم من ثم، في بناء عقل ووعي ووجدان المستقبل، ليس في المدرسة كمكان اجتماعي عمومي وخصوصي، بل في المجتمع كفضاء مفتوح على التحدي الأكبر الذي يجعل من فكرها أكثر يقظة مما كانت عليه داخل "الكهف"، ومن عقلها أكثر انتباها إلى مكر التاريخ.

أيها الحضور الكريم:

لا بد من كلمة شكر في الأخير لمن هيؤوا أسباب هذا الاحتفال باليوم العالمي للفلسفة. إنهم الدليل الحي على أن المجتمع صار يعي أن خلافاته مع الفلسفة لا بد لها أن تتكسر على مذبح التضحية من أجل المستقبل. إن الذين هيؤوا أسباب هذا الاحتفال، وضمنوا نجاحه المأمول كثيرون ولكني حريص على تسمية بعضهم حتى ينسب الفضل لأهله: للسلطات التربوية في مدينة تطوان التي أذنت لنا بالحضور في المؤسسات التربوية العمومية والخصوصية لكي نقوم بواجبنا الفكري والثقافي والتربوي، لإدارة مؤسسة براعم الرازي للتعليم الخصوصي التي احتضنت حقا وواقعا هذا الحفل الافتتاحي الذي نحن بصدد شهود إحدى فقراته، ولا سيما المسؤول عن قسم التنشيط الثقافي والتربوي فيها صديقنا الأستاذ عبد الغني أبرو الذي تتبع معنا ميلاد الفكرة وترعرعها ثم تنفيذها... لأصدقائي الأساتذة الأجلاء الذي قبلوا دعوة جمعيتنا بالمساهمة معنا في إلقاء محاضراتهم ضمن الجداول الزمانية والمكانية التي وضعناها احتفالا بهذا اليوم في بعض المؤسسات التربوية العمومية والخصوصية... لرجال الإعلام والصحافة الذين أذاعوا بين الناس خبر احتفالنا هذا، وسيذيعون باقي فقراته في صحفهم الورقية والرقمية والأثيرية ولا سيما لإذاعة طنجة التي حرصت على نقل تصريح لنا بصدد هذا الاحتفال...لأصدقائنا الأعزاء أساتذة ومثقفين ومربين الذين آزرونا في كل مرحلة من مراحل التهئ لحفلنا هذا...لأصدقائنا في الضفة القشتالية والأمريكولاتينية الذين هنؤونا في يومنا هذا وتمنوا لنا يوما حافلا بالجمال والخير... لأختينا الفاضلتين مريم وحنان اللتان نفذتا الإخراج الفني لملصقنا وللوحات الإشهار المرافقة له... لأبنائي وبناتي تلاميذ وتلميذات هذه المؤسسة التربوية الذين تحمسوا لاحتضان حفل الافتتاح وبالخصوص "براعم الفلسفة" في حديقة الجذع المشترك علمي 3 الذين أتمنى لزهرتهم أن تتفتح في تذوق حلاوة التفلسف وتينع في لذة العلم ... لهذه الوجوه الطيبة من الحضور الكريم الذين شرفونا بحضورهم وقاسمونا فرحتنا بعيد العقل... لكل هؤلاء أقول: شكرا لكم وكل عام وأنتم بألف حق وخير وجمال.

والسلام

محمد بلال أشمل

تطاون العامرة

 

 

(0) comments
ا لقراءة، في خطاب مثير. أحمد بنميمون

أحمد بنميمون

هل يصلح أن نستعمل منطق المفكر المغربي (عبد السلام بن عبد العالي) في حكمنا على خطاب الرئيس اللبناني  الذي جاء بمضمون مستغرب  صدوره، عن رجل سياسة عربي في مرحلتنا الراهنة،  حيث يعاني النظام العربي من ضحالة وفقر فكريين،  يحتاج إلى أقنعة كثيرة لإخفائهما، أو في أحسن الحالات إلى أقوى أجهزة الحجاج وأنجعها لدفعهما عنه، إذ لا يخجل رجل السياسة العربي من تهمة الخواء، وانعدام الوزن الثقافيين بالنسبة إلى شخصه، في أي مستوى من المسئولية كان، فما معنى أن نسمع من أحدهم كلاما يتوجه به إلى الشباب (أن يقرأوا  ما يشاءون) وأن يعتبروا  أنه (إذا لم تكن الكلمة في أساس البناء فعبثا يتعب البناءون) والحقيقة أنني قد تلقيت ما دوخني من شدة إعجابي بصياغة هذه العبارة الأخيرة التي لعبت بي لعب الخمرة  بشاربها، وجعلتني أنتشي  إلى درجة قاربت فقداني الصواب ، لولا أنني تذكرت أن المتكلم رئيس عربي، وقد زادني الأمر حيرة مع إمعان هذا الخطاب وهو يدعو الشباب إلى قراءة ما يشاءون ، في التأكيد على أن أمر اختيار نوعية القراءة هو قرار هذا الشباب نفسه، (فلا حرية تنمو و تعاش إذا كان هناك حِجْرٌ ورقابة على التفكير والتعبير،) يا سلام، أفيعي رجل السياسة العربي إذن مثل هذا الأمر ويأمر به؟ لا تستعجل أيها القارئ الكريم ، فلا يزال في كلمة  رجل السياسة العربي هذا، في نفس المناسبة ما يزيدنا إدهاشا ، إن لم أقل  إرباكا،ففي نفس هذه الكلمة، نقرأ أيضاً له وهو يستدرك في خطابه الشباب (ولكن  مسئوليتكم هي أن تنمٌّوا ملكة التمييز، حتى لا يقودَكم الفكر المتطرف خلف قراءاته المظلمة، فتحسنوا الاختيار...)  فهل نصدق أسماعنا ونقتنع بإيمان رجل السياسة العربي بأفعال الكلام  المباشرة الموجهة منه إلى شباب شعبه،أو بالأحرى أمته، ونستنتج منه قوة إنجازية حرفية، أو قوة إنجازية مستلزمة؟ فإن الفعل الكلامي يأتينا وقد تلفظ رجل السياسة بأصوات مركبة سليمة التركيب النحوي، خاضعة  لنظام إنتاج الدلالة في لغتنا العربية الجميلة  التي تملك قوة إيقاعية لا تضاهيها أية لغة، باعتبار أنها كانت في الماضي لا تعتمد في استقبالها إلا على الأذن التي منها يذهب الصوت نحو الذهن ،الذي يدرك المعاني، فأكسب هذا لغتنا  ملامح موسيقية رائقة، فرجل السياسة في هذا الخطاب قد أنجز فعلا تكلميا تمثل في ما استعمله من أفعال أمر صريحة ومباشرة  على وجه الاستعلاء والإلزام ، كما ينبغي أن تدل عليه طبيعة  منصب المتكلم ووظيفته، مثلتها صيغ الإنجاز وقرائن الكلام في سياق تواصل مع مخاطبيه، إذ لا سياق أكثر إيحاء بهذا من علاقة الحاكم ( رئيس الدولة) بمحكوميه (من الشباب . كفئة مستهدفة بهذه الكلمات) خاصة وقد تبين أن سياق التواصل الذي يوجه أفعال الكلام في مناسبة هذا الخطاب، هو التحذير من أضرار القراءة  التي لا تستند إلى حس نقدي، أو إلى ما عبر عنه الخطاب بـ (ملكة التمييز) وهو الوقوع في شراك القراءات المظلمة،  التي يقف من ورائها الفكر المتطرف،  إذ أن علاقة التطرف بالقراءة المظلمة هي علاقة النتيجة بالسبب.

      إن أفعال الكلام موجهة  ـ بكل صيغها التواصلية، المباشرة وغير المباشرة، بقوتها الإنجازية الحرفية أو المستلزمة ـ إلى الشباب العربي كافة ، إذا اعتبرنا ما تسعى بيروت إلى استعادته في المحيط العربي من دورها  الثقافي الذي يتجلى في مكانتها كمطبعة للكتاب العربي الذي توجد قاعدته العريضة خارج لبنان، في البلاد العربية التي يتهددها التطرف والإرهاب،وتعشش فيها الأصولية، إما لأنها لا تقرأ ، أو أنها إذا قرأت أخضعت قراءتها لتأويلات  نصية ، طالما أسهمت في دفعها إلى مهاوي التطرف نفسه ، وألقت بها بين براثن العنف والإرهاب. وقد كان حلم رجل سياسة سامي المنصب، أن يشهد يوما يقرأ فيه المواطن في بلده القرآن بنفسه دون تدخل من مؤول أو موجه.   

ثمّ هل يمكن الاقتناع بجدية رجل السياسة العربي ، حتى ولو كان لبنانيا في هذه المرة ، فيما أنجزه أثناء تلفظه من أمر بالقراءة ، على النحو الذي وصفه، وإلى أي حد كان صادقا متجاوبا مع الغرض من كلامه ، مخلص النية  يتطلع إلى أن يحدث  كلامه بالفعل أثرا في مخاطبيه، إنني استطيع أن أثبت الأثر الأول لفعله التكلمي في هذا التأثير الذي تجاوز  حدود الاستحسان إلى الإدهاش العميق عندي أولا ، وفي نفوس فئات أخرى تؤرقها  هذه الرغبة الحارقة في أن ترى جماهير شعوبنا تقرأ ، وقبل ذلك أن نرى مسئولينا بصفة خاصة، وعلى اختلاف مناصبهم في السلطة والقيادة  عامةً،يقرأون، وألا تعيرنا قيادة العدو بأن الرؤساء العرب لا يقرأون ،وعندها سنؤمن ، كل الإيمان بأن الفعل التكلمي الذي جاء في خطاب إعلان بيروت عاصمة عالمية للكتاب هو فعل صادق، وحتى ذلك الحين سنظل على مذهب مفكرنا المغربي عبد السلام بن عبد العالي في رؤيته إلى ظاهرة الكتاب المقاولين الذين  يكتبون للرؤساء خطبهم ، حسب المناسبات، ولقد أدركت بالملموس أن هنالك مفكرا أو أديبا متمرسا يقبع وراء هذا الخطاب ، وإن كان  وضع خطاب مثل هذا على لسان رئيس  دولة عربية ، كائنا من كان، في مناسبة عابرة يفرغه من كل محتوى ، بدلالة  السياقات  التواصلية المعروفة في علاقات  القوى المتحكمة في  حركتنا الاجتماعية والثقافية. ورغم ذلك ( فمن غير اللائق إذن محاسبة رجل السياسة في هذه الحال كشخص أخلاقي، عن درجة اقتناعه بما يريد من الآخرين أن يقتنعوا به) لأننا مقتنعون كل الاقتناع ( بأن الكلام لا يمكن أن يقنع من يتوجه إليه إلا إن هو صدر عمن هو مقتنع به، وهكذا فلا نفصل في ذهننا السياسة عن الأخلاق) أستدعي عبارات المفكر المغربي بن عبد العالي ، بعد أن ذُهلت لخطاب السياسي العربي ، حتى وأنا أعرف أن من كتبه ليس الرجل الذي تلفظ بأفعال كلامه ، لأن في ذلك الخطاب روح لبنان التي عبر عنها عمر فاخوري  وسلمى الصائغ وأنطون الجميل ، وظهرت في شعر الحنين لدى المهجريين الذين كانوا قد غادروا لبنان دون أن يغادرهم ،في النصف الأول من القرن العشرين، ثم هذا الكشف المضيء  الذي يرفع مشاعل على الطريق للشباب ، حتى لا يسقطوا في كمائن القراءات الظلامية التي تصنع منهم قنابل موقوتة ، لا تنتظر إلا الساعة، غافلة عن الحياة الدنيا. إنه هو أيضا كشف تنويري مثير مفارق ، لأنه طارئ بالفعل غير منتظر ، كما أن ما نراه من وقوع شبابنا  في

قبضة الفكر الظلامي أمر لم يكن في احتمالات جيلنا قبل السبعينات، التي شهدت تحولات كبرى ساقت هذا الشباب إلى التطرف ، وقد ساهم رجل السياسة في دفعه إليها ، فقبل أن تعظوا وترشدوا اقرأوا التاريخ يبد لكم حقائق  ما ساهمتم في  دفنه من طاقات الشباب وقدراته ، وما دفنتم في أساس أفعالكم من كلمات وشهداء، وكم حولتم عمل البنائين إلى عبث.    

أحمد بنميمون:27/04/2009

 

(0) comments
فلاسفة الإسلام الحقيقيون: نصوص مختارة بالقشتالية حول نقد الفلسفة المشائية في العالم الإسلامي

صورة غلاف مجلة "أصطرولابيو"

نشر محمد بلال أشمل نصوصا بعنوان " فلاسفة الإسلام الحقيقيون: مختارات من نصوص سامي النشار حول نقد الفلسفة المشائية في العالم الإسلامي" في العدد السادس (2008) من المجلة الدولية للفلسفة Astrolabio  (ص 60-69)(*). ويتعلق الأمر بمجموعة من نصوص المرحوم الأستاذ علي سامي النشار وردت في كتابيه "نشأة الفكر الإسلامي في الإسلام" (طبعة دار المعارف بالقاهرة 1977) و"مناهج البحث عند مفكري الإسلام واكتشاف المنهج العلمي في العالم الإسلامي" (طبعة دار المعارف بالقاهرة 1978). وقد صدر صاحب هذه المختارات عمله بمقدمة شارحة لمضموم النصوص وأسباب نشرها وقيمتها الفكرية والنقدية. تجدر الإشارة إلى أن هذه الأخيرة تمثل جزءا من متن الفلسفة الإسلامية التي اشتغل عليها صاحب "المختارات" ضمن عمل فكري موسع حول آثار أبي الوليد ابن رشد الفقهية والفلسفية.

 



(*)http://www.ub.es/astrolabio/Varia6/Achmal-seleccion.pdf

 

(0) comments
رسالة تعزية في وفاة الشاعر الفلسطيني الكبير الأستاذ محمود درويش

الشاعر محمود درويش

على إثر توصلنا بنعي الشاعر الفلسطيني الكبير الأستاذ محمود درويش، بادرت "الجمعية الفلسفية التطوانية" إلى إرسال رسالة تعزية إلى الإخوة والأخوات في " الاتحاد العام للكتاب والصحافيين الفلسطينيين" هذا نصها:

 

 

الإخوة والأخوات في الاتحاد العام للكتاب والصحافيين الفلسطينيين

تحية طيبة

وبعد، علمنا ببالغ الأسى والتأثر نبأ وفاة الشاعر الفلسطيني الكبير الأستاذ محمود درويش. وبهذه المناسبة الأليمة، نتقدم إلى أخوتكم، وبوساطتكم إلى خصوص أسرة المرحوم، وعموم أبناء الشعب الفلسطيني الصامد، بخالص تعازينا في وفاة هذا العلم الشامخ في ثقافتنا العربية والإنسانية، راجين الله أن يلهم ذويه وأحبته في مشارق الأرض ومغاربها جميل الصبر وعظيم السلوان.

وإنا لله وإنا إليه راجعون

الجمعية الفلسفية التطوانية AfT
 

 

 

(0) comments
بمناسبة اليوم العالمي للشعر/ "نوسـْتالجيا" لإيمان الخطابي

ورد وشعر لـ"الوقت المغربي"

بمناسبة اليوم العالمي للشعر، تتوجه "الجمعية الفلسفية التطوانية" بخالص التحية إلى كافة الشاعرات والشعراء من مختلف طبقاتهم، وإلى سائر محبي الكلمة الجميلة والمعنى الأجمل متمنية للجميع عاما طيبا مليئا بالجمال والسلام. وبهذه المناسبة نهدي إلى أصدقائنا وصديقاتنا في خصوص تطوان وعموم العالم قصيدة "نوستالجيا" لعضوة مكتب جمعيتنا الشاعرة إيمان الخطابي... مع التأكيد على أنا في "الجمعية الفلسفية التطوانية" نحب "أفلاطون" ولكنا نحب الشعر أيضا.

 

 

-1-

أجلس ُ إلى شجر الطـّفولة،

أتلمـّس كدمات الجذوع

وندوب الغصون،

يا صبر الرّوح على الرّّيح؛

أراجيح صبانا أدمت كتفيك يا الشجرُ

والتين لم َيسلم في عرشه ولا الزيتون.

رجمنا الهواء ورجمنا الثمـَر

وعذّبنا الزيزفون،

لم نكن  ندرك ُ حكمة الضوء ولا حكمة الظلّ،

كنا نتلهى بقطف طفولتنا

فإذا الوقت يذبل في يدنا فجأة،

وعمرنا يتوجس خيفةً

        من تجاعيد القدر.

-2-

أجلسُ إلى نهر الطـّفولة،ِ

أبتل ّ بذكريات بعيدةٍ

وأغمس ُ روحي في فرح الماء،

يا صوت الماء..يا رقص الماء..

يا فتنة الماء..

ما زلتُ أشتهي الموت بليلةً

وأشتهي المقام في حنايا الماء.

احتراق؟ ظمأ؟

 اجتفاف الروح أم صهد القلب

يجرفني للضفافِ

أقول لها: يبستُ

خذيني في طريقك للماء؟

 

-3-

 

أجلس إلى قمر الطفولةِ

ِلأحصي شامات الحُسن في وجه السماء،

ُيطاردني ذئب الغابة بعد كل حكايةٍ

وأصحو حين ُيوقعني فرس الأمير ِ

فألقاني تحت السرير،

انفتح ْ يا باب السماء قبل أن أتعلـّم الخطايا؛

سأرفع للملائكة أحلامي الملفوفة

 في ورق الهدايا،

وأقول لها: ضجرت ُ،

ارفعيني حتى أطير.

 

-4-

 

أجلسُ إلى ريح الطفولة،

أرفع طائرات من ورقٍ

وألقي مراكبي الصغيرة في الماء،

ُأحكم قبضة كفّي على ُحزم الضوء العنيدة

وأعاتب السحب التي عكّرت لون  نهاري،

لو تندملين يا قروح السماء

ِليصفوَ هوائي وأصفو،

ما زال في يدي ّ حصى ً للنهرِ

وفي ركبتي ّ ريح لأعدو،

ما زلت أعد ّ لدميتي القصبيـّة قفطاناً

وأدّخر في رمـّانة الشتاء

حفنة من أمنيات.

 

                                 إيمان الخطابي

 

(1) comments
هنيئا زميلنا خالد الرامي...وإلى البحث التاريخي قدما !

الدكتور خالد الرامي...

حصل زميلنا خالد الرامي عضو "الجمعية الفلسفية التطوانية" على شهادة الدكتوراه في التاريخ  إثر مناقشته لرسالته الجامعية حول "النظام الأصيل لتوزيع الماء بمدينة تطوان من 1862 إلى 1913 دراسة في العمارة الإسلامية"  وذلك يوم الأربعاء تاسع ماي من العام الجاري بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بفاس. تهانينا مجددا للزميل خالد الرامي ومزيدا من العطاء في البحث التاريخي حول مدينتنا.

(0) comments
تقرير "اليونيسكو"عن احتفال جمعيتنا باليوم العالمي للفلسفة

الفلسفة في اليونيسكو

نشرت اليونيسكو تقاريرها عن مختلف الأنشطة المبرمجة بمناسبة اليوم العالمي للفلسفة 2006 في كافة الدول ومنها المغرب؛ حيث جاء في تقرير الهيئة الدولية أن "الجمعية الفلسفية التطوانية" أعدت برنامجا لشهر نوفمبر تحت شعار "الفلسفة في عصرنا" ضمنته محاضرات في ثانويات المدينة مع تنظيم مائدة مستديرة حول ماضي ومستقبل الفلسفة في المغرب وفرنسا وإسبانيا". وتجدر الإشارة إلى أن جمعيتنا الوحيدة التي احتفلت باليوم العالمي للفلسفة في المغرب خارج الإطار الرسمي المرتبط بمكتب اليونيسكو بالرباط، وذلك بسلسلة المحاضرات والندوات التي نظمتها في الثانويات التأهيلية بمدينتنا العامرة تحت شعار "الفلسفة في عالمنا" متوجهة في ذلك إلى المستقبل المتمثل في تلاميذ وتلميذات "الليسيوم" مكان نشاة الفلسفة في أول ظهورها التاريخي. وبالمناسبة، يمكن الاطلاع على تقرير الهيئة الدولية بخصوص موضوع الاحتفال باليوم العالمي للفلسفة في انحاء العالم ومنه تطاون في الرابط التالي:

http://portal.unesco.org/shs/fr/ev.php-URL_ID=10228&URL_DO=DO_TOPIC&URL_SECTION=201.html

(0) comments
مقدمة حول الليسيوم والمستقبل/ بدر الحمري

ثا. القاضي ابن العربي بتطوان

تجاوبا مع الكلمة التي نشرتها "الجمعية الفلسفية التطوانية" في شرفتها الإخبارية يوم الثلاثاء 21 نوفمبر2006، بمناسبة انطلاق سلسلة المحاضرات الفكرية في ثانويات مدينتنا التأهيلية احتفالا باليوم العالمي للفلسفة، بعث إلينا الصديق الأستاذ بدر الحمري من الدار البيضاء بمقالة تحت عنوان "مقدمة حول الليسيوم والمستقبل" ننشرها هاهنا مع خالص الشكر لصاحبها، وعظيم التأكيد على عدم اتفاقنا مع كاتبها في بعض مضمونها.

 
          بداية، لابد من التأمل ولو قليلا في عنوان هذه المقدمة "الليسيوم والمستقبل". بدون شك، يحتمل أن يثير مفهوم "الليسيوم" لبسا لدى البعض منكم. ومن أجل رفع هذا اللبس، ورغبة في أن يكون هناك حد أدنى للتواصل والفهم، لا بأس من الوقوف عند دلالة هذا المفهوم قبل الدخول في موضوع هذه المقدمة.

         إن "الليسيوم" مرتبط  كرونولوجيا بالفيلسوف اليوناني أرسطو (384- 322 قبل الميلاد)، ولا تستغربوا  إن  قلت لكم إن "الليسيوم" اسم  لفضاء مكاني  بأثينا  كان الحكيم اليوناني اتخده مكانا لتحصيل المعرفة الفلسفية والعلمية رفقة تلامذته. "الليسيوم" كلمة يونانية إذن ،علاوة على ان لها مقابلا في اللغة الفرنسية هو "الليسي" التي تفيد معنى " الثانوية" بلغتنا الأم العربية. من هنا يصبح عنوان مقدمتنا "الثانوية والمستقبل".

         من بين المواضيع التي يهتم بها الفكر الفلسفي كطريقة لطرح السؤال الباحث عن الحقيقة، التفكير في الإنسان وعلاقته بمفهوم "الزمكان"، كامتداد يدخل في كينونته الإنسانية. من هنا تشكل هذه المقدمة     وقفة تأمل في "الليسيوم" كفضاء مكاني والمستقبل كزمن إشكالي، بحثا عن العلاقة الرابطة بينهما. "الليسيوم" كفضاء مشترك بين المعلمين والمتعلمين، والمستقبل كمفهوم يفرض علينا مساءلته انطلاقا من "الليسيوم" كمحطة للتفكير، عبر التساؤل التالي: أين يكمن المستقبل بـ"ليسيوماتنا" كفضاءات للتنشئة الإجتماعية لها اهدافها المتميزة، و أين يتجلى؟

         للإجابة عن هذا السؤال الفلسفي، لا بد من البحث عن الحلقة المفقودة التي ستربط لنا بين المكان  "الليسيوم"، و بين الزمان "المستقبل". ولا تستغربوا إن قلت لكم إن هذه الحلقة المفقودة موجودة و جودا حيا، ولا نحتاج إلى كبير عناء لاكتشافها، انها ما نعيشه "الآن"  كتجل للحظة أو الحاضر بامتياز، هذا الحاضر المنفتح المشرع للمستقبل. من هنا تغدو مؤسسة "الليسيوم" كفضاء مشترك، مكان للحاضر المنفتح، وحقيقة محايثة لهذا الحاضر، تكسر بمطرقة النقد، رتابة الديمومة المستمرة بأفكارها التشاؤمية والتي تتسرب إلى جسد "ليسيوماتنا" العريقة.

         إن "الليسيوم" باحتوائه على مؤطرين تربويين، تمنح للكل فرصة تأسيس الحاضر-المستقبل.    وما المتعلم إلا مشروع يجب أن يكلل بنجاح حقيقي في مجالات الحياة وبناء الذات التي تخص بالدرجة الأولى تحمل المسؤولية وتقوية ملكة النقد والإبداع وكذا تربية الثقة في النفس مما يخول للمتعلم راحة سيكولوجية من اجل انطلاقة حقيقية من حاضر معقلن الى  مستقبل متفائل. وما إرادة النجاح التي نلمسها لدى بعض المتعلمين، أقوى برهان على الشجاعة والشهامة والقوة التي يتمتع بها شبابنا. أما الذين تنتفي ارادتهم وتتخبط في مشاكل وهموم الحياة المعاصرة، ففضاء" الليسيوم" يشكل لهم كما لأصدقائهم، باختلاف مستوياتهم الدراسية وتخصصاتهم المتنوعة، مكانا لبناء الذات وصناعة الأمل كما قال محمد بلال أشمل ذات مرة، وكما كان الشأن في "الليسيوم"مع أرسطو. اما الإحباط والتشاؤم التي نرى مظاهرها فليست الا قسوة يجب انتزاع جذورها بشكل حازم.

         صناعة الأمل، و كذا  صناعة العقل، هدف كل حاضر متجه الى المستقبل. الكل يمتلك العقل، لكن ليس المهم ان نمتلك عقلا، و لكن المهم ان نحسن استخدامه كما تعلمنا الفلسفة الديكارتية. وهذا ما يجب ان تحرص عليه "ليسيوماتنا"؛ تعليم وتعلم، وحسن تدبير واستخدام العقل، سعيا إلى نشر الخير والسلام. في هذا السياق يمكن ان نتحدث عن اشكال حسن تدبير العقل، بداية من نقد سلوكاتنا تجاه     "الليسيوم" ومؤطريه. حسن تفعيل مبادئ التربية على حقوق الإنسان، فكرا و سلوكا، وحسن تدبير العقل في مسألة الدفاع عن حرية الاخر وحقه في التعبير والنقد، حتى يكون الفرد شاعرا  بالمسؤولية  تجاه نفسه ومجتمعه ككل. كما يبقى نقد التواكل والحقد شكل من اشكال الدفاع عن اخلاقنا الحية، أو لنقل بالجملة، دفاعا عن إنسانيتنا وسعيا إلى نشر قيم الخير والسلام... و هي كلها  مفاهيم نادى، ولازال ينادي بها كل صوت إنساني حي. ولا يمكن أن يتأتى كل ذلك الا بتعليم وتعلم طريقة حسن تدبير الديمقراطية ومعانقة الذات لحاضرها كأفق لتفكيرها في مستقبلها. ولعل ذلك ممكن عبر تعليم  الذات المتعلمة والحرة، والواعية، والمفكرة، بكيفية القيام بقراءة جادة لحاضرها،حتى تتجاوز مستوى الفهم البسيط الى شيء من الفهم العميق بذاتيتها، وتخليص نفسها من الأحكام المسبقة والحقائق المزيفة.

إن فضاء "الليسيوم"، فضاء للتربية وصناعة العقل والأمل، وتوجيه حقيقي لما سيكون  انطلاقا مما هو كائن، وكذا تقويض كل تفكير فاشل غايته الإحباط والعبث واللامبالاة. لذا فلا غرابة ان يتولد لدى كل فرد يتقاسم مع الغير هذا الفضاء، معلما ومتعلما، الشعور بالاعتزاز بالانتماء إليه. ولعل هذه الـ"مقدمة حول الليسيوم والمستقبل" ليست سوى دعوة هؤلاء إلى التفكير في حاضرهم، وحملهم على التفكير في مستقبلهم، إنقاذا لمصيرهم، ودفاعا عن مستقبلهم.

 

 

 

(0) comments


<<Home