الجمعية الفلسفية التطوانية
Asociación Filosófica Tetuaní (AfT), jamiafalsafiatetuania@yahoo.es
إلى ماذا يهدف منهج المواد الفلسفية بالثانوية العامة المصرية؟؟/ باسنت موسى

الأستاذة باسنت موسى

  المقال التالي للأستاذة باسنت موسى من جمهورية مصر العربية يتحدث عن جانب مهم من جوانب التداول الرسمي للفلسفة رأينا أن نعممه دعوة إلى التفكير في واقع درسنا الفلسفي. والمقال الذي استأذنا صاحبته في نشره فأذنت لنا مشكورة، سبق نشره في موقع "الحوار المتمدن" فلهما خالص الشكر والتقدير.

الجمعية الفلسفية التطوانية

        
فوز جماعة الأخوان المسلمين المحظورة بمصر بنسبة مقاعد لابأس بها في الانتخابات البرلمانية الأخيرة ونمو الهوس الديني في الشارع المصري ، لا يعكس انتصارا للفكر الغيبي على قيم التحضر والرقي بقدر ما يعكس أزمة في عقول المصريين أزمة فكر ، فالمصريين الآن لا يمتلكون مهارات التفكير الناقد وهذا ليس مسئوليتهم بل نتاج مجموعة أنظمة فاشلة خلقت فرد أجوف سهل التأثير عليه دون مقاومة تذكر ، تلك الأنظمة هي النظام التعليمي والأعلامى . وسنتناول اليوم بالتحقيق أحدى قضايا نظامنا التعليمي وهى قضية تتعلق بمنهج المواد الفلسفية بالثانوية العامة المصرية . فالمنهج الدراسي هو وسيلة النظام التعليمي لنقل ما يريده من أفكار ليبنى عقول الطلاب، والفلسفة ماده تفكير من المفترض أن يكون الهدف من تدريسها بناء فكر ، فهل يسعى المنهج الحالي للفلسفة إلى ذلك أم يهدف إلى ماذا؟ وهل يدرس الطلاب الفلسفة ليكتسبوا مهارات فكرية أم لأنها الأسهل في الحفظ والامتحانات؟ هذه الأسئلة وغيرها كثير طرحناها في هذا التحقيق فإلى المزيد .

أية محمد فتحي ثانوية عامة تقول :- الكتاب مليء بالمذاهب الفلسفية التي تحمل الكثير من الأفكار ، ولكن المدرس لا يسمح لنا باختبار تلك الأفكار وفهمها فكل ما يهمه هو أن نحفظها ونرددها . حقيقة أنا اخترت دراسة الفلسفة وليس علم النفس لان الفلسفة امتحانها معروف وأسئلتها مضمونة والمنهج أقصر من علم النفس .
إسراء أشرف ثانوية عامة تقول:- الفلسفة كتاب يضم أفكار يصل الاختلاف بينها لحد التناقض ولكنني لم أجد يوما مدرس الفصل يعلق على تلك الأفكار من فكره هو، كما أنه يشرح المذهب الفلسفي كما ذكره مؤلف الكتاب وليس لنا نحن الدارسين أي دور في التعليق على ما ندرس . وذات مره فكرت في الاعتراض على أحدى المذاهب فقال لي المدرس أحتفظى بأرائك لنفسك لديك تعليق الكتاب على كل ما تدرسيه وهذا هو المطلوب منك كتابته عند طلب التعليق في الامتحان.
هبه عبد الحميد ثانوية عامه تقول:- أنا لا أفكر حقيقي ، فلماذا أفكر في المنزل يتحكم أهلي بشئوني كلها فهم أكثر منى خبره وحكمه وفى المدرسة احفظ دروسي لأحصل على أعلى الدرجات وبالفعل أحقق ذلك ليس لدى وقت لأسأل ماذا أضافت لي الفلسفة ؟ من الممكن أن أسأل ماذا أضافت لي من حيث الدرجات والمجموع الكلى في النهاية فأنا أرغب في الالتحاق بكلية الألسن التي تتطلب مجموع عالي.
تلك كانت أراء مجموعة من الفتيات بأحدي المدارس الثانوية للبنات بالقاهرة واختلفوا في تقييمهم للفلسفة ولكنهم اتفقوا في أن الفلسفة لم تضف لهم على المستوى الفكري أي جديد . أما الشباب الذكور فعند توجيه تساؤلات لهم عن جدوى الفلسفة في حياتهم ولماذا قاموا باختيارها؟ تهكموا على حديثي ورفض كثيرين منهم الحديث معي وكأنني إنسانه غير طبيعية أو من كوكب ثاني ولكنني استطعت إقناع ثلاثة منهم بعد معاناة.
محمد جابر ثانوية عامة يقول:- المدرسين ليس لديهم الوقت ليعلمونا شيء مفيد هم مشغولين بالدروس ونحن مشغولين بالدرجات وكل فرد منا يحقق للأخر ما يتمناه . هذا هو التعليم لدينا فلماذا ترهقينا بتساؤلات غير مجديه ولن تضيف للواقع أي جديد !!
مينا جمال ثانوية عامة يقول:- الكتاب لا يناقش القضايا التي تهمني كشاب مراهق كما يقولون ، فأنا أهتم بمعنى الحب والطاعة حيث أنني أرفض سلطة أهلي على سلوكياتي ، الكتاب سيحفزني على التفكير عندما أجد بداخله ذاتي التي أريد بناءها ، ولكنه يحدثني عن أشياء صعبه الفهم ولاتهمنى كالحراك الاجتماعي مثلا لذلك أحفظ.
                                                   رأى الأساتذة
الأستاذ الدكتور محمد سعيد زيدان أستاذ المناهج وطرق التدريس بكلية التربية جامعه حلوان أجاب على تساؤلاتنا من واقع دراسة علميه لسيادته في هذا السياق فقال :- المتابع لتطور كتاب " الفلسفة ومشكلات الإنسان" الذي بدأ تدريسه في العام الدراسي 1988-1989 يجد العديد من محاولات تغييره إما بالحذف أو الأضافه دون اعتماد على أسس علمية لهذا التطوير . ولنتحدث عن الكتاب بشكل أكثر تفصيلا :
التأليف :- شارك في تأليف الكتاب مؤلفان أحدهما خبير بالمركز القومي للبحوث التربوية والثاني موجه عام بوزارة التربية والتعليم وقام بمراجعته أستاذ من الجامعة . وكان من الأفضل أن يتم التأليف بشكل جماعي بحيث يضم متخصص في الفلسفة من الجامعة وأخر متخصص في مناهج وطرق تدريس الفلسفة وثالث معلم كفء . أتعجب من تجاهل إشراك المعلم في إعداد ما يقوم هو بتدريسه . وحقيقة هذا النمط من التأليف الذي يقوم على التكليف من جانب الوزارة جعل الكتاب مجرد سرد تاريخي لتاريخ الفلسفة دون تناول الفكر الفلسفي أو تنميه مهارات التفكير الفلسفي.
المحتوى :- اتخاذ النظرة النقدية للتعقيب على المذاهب الفلسفية ، بدلا من الاكتفاء بعرض تلك المذاهب بطريقة موضوعية متجاهلا أن هذا التعقيب الذي أسماه بالتعقيب النقدي قد عمل على القضاء على النظرة النقدية منذ الوهلة الأولى وصادر على تفكير الطالب ومنع عقلة من الحوار والجدل وحرمه من أن يصبح له رأى خاص ووجهه نظر خاصة ، وذلك لوجود رأى جاهز تم عرضه من خلال التعقيب الذي يعنى ضرورة الإيمان والاقتناع بهذا الرأي النهائي الذي يقدمه المؤلف على أنه هو الموقف الذي يجب أن يتخذه كل الطلاب وحجته أن هذا الموقف يتوافق مع ظروفنا الاجتماعية وقوميتنا وديننا وما إلى ذلك من عوامل اتخذناها للحجر على الفكر، اتسم التعقيب النقدي بالهجوم والحدة على بعض الفلسفات كما هو الحال من موقف المؤلف من المعتزلة والسوفسطائيين " هم من يثبتون الفكرة وعكسها اعتمادا على قدراتهم اللغوية" فعمل على التجريح والهدم دون الإشارة إلى أهمية كل مذهب وقيمته وما قدمه من إضافة إلى الفكر الانسانى ومتجاهلا الدور الذي قدمته تلك المذاهب الفلسفية من خلال الرد عليها أو الدخول معها في حوار أو محاولة تفسيرها هذا إلى جانب أن الهجوم الحاد من شأنه أن يوحى للطالب بأن الفلسفة هي سجل أخطاء العقل وهى في حقيقة الأمر سجل تقدمه ، المؤلف أتخذ موقف رافض من الاختلاف الفكري وتعدد الآراء فالكتاب يدعم فكرة رفض الخلاف في الرأي ولا يرى فيه سوى التشتيت على حين أنه ينبغي أن يوضح أن هذا الخلاف هو في حد ذاته مكسب لأنه فتح حوار خصب بين تيارات مختلفة أدت إلى انبثاق أفكار جديدة ، يوضح المحتوى أهمية الثبات واليقين ويدعو إليه دعوة صريحة حينما يذكر " ما قامت حضارة أبد في تاريخ الإنسانية وإنما على أساس اليقين" ومن ثم يقوم الشك على أنه قيمة سلبية مرفوضة حتى لوكان وسيلة للوصول إلى اليقين ، يتسم موقف المؤلف من مفهوم الفلسفة وطبيعتها وخصائصها بالمثالية والتعالي حيث يجعل الفيلسوف يعيش في برج عاجي بعيدا عن الواقع ويجعل من الفلسفة ترفا فكريا وذلك حينما يذكر الفلسفة لأتخرج عن الإطار العام لمعنى الحكمة والبحث في المعرفة الكلية والحقيقة المطلقة والتأمل العقلي المجرد، عند تقديم مشكلة الحرية من المنظور الاجتماعي الغربي نجده يؤكد قيمة التعاون في حين يرى أن الصراع قيمة سلبية ليس لها دور إيجابي في العلاقات الاجتماعية والدليل على موقفه من قيمه الصراع أنه لم يقدم مثالا واحدا للصراع ودوره الاجتماعي كما أنه جعل الصراع يعنى التمرد أو هما كما يرى لفظان مترا دفان والحقيقة أن الصراع يختلف عن التمرد فالصراع يتضمن علاقة جدلية بين الفرد والجماعة على حين أن التمرد يعبر عن حالة انسحاب من الجماعة ، مقدمة الكتاب تحذر الطلاب من اعتناق أي فكر اجتبى أثناء دراستهم للمذاهب الفلسفية ومثل هذه العبارة تحمل تعميما كاسحا إذا ما لمانع إذا وجدنا رأيا صوابا أو قيمة إنسانية في فكر أجنبي أن نأخذ منه ما يتناسب مع قيمنا .
كما التقينا مع الأستاذ / حليم فريد تادرس مستشار الفلسفة والعلوم السلوكية بمركز تطوير المناهج والمواد التعليمية فأجاب على تساؤلاتنا قائلا :- الفلسفة ليس لها مكانة في مجتمعنا والدليل على ذلك أننا عندما نجد من يفكر بطريقة تبدو منطقية نتهكم عليه ونقول "بلاش فلسفة" وبالتالي التفكير في مجتمعاتنا ليس له القيمة ووسيلتنا لمعالجة ذلك يكون من خلال إنماء قيم الحوار والنقد بمناهجنا التعليمة والفلسفة كان من الممكن أن تكون قمة التمثيل لهذه القيم ولكنها تحولت إلى العكس تماما فما بالك المواد التي تتسم بالتجريد العلمي . المشكلة أن التطوير لدينا يعنى الحذف والإضافة وهذا مفهوم خاطى جعل مناهجنا ثابتة يتغير عدد صفحاتها ولا يتغير محتواها وأصبحنا ندرس مالا يناسب متغيرات عصرنا . لذلك أدعو أن نقيم دراسات تسبق عملية التطوير المنهجي لاى من المواد التعليمية حتى نطور ونحقق ما يحتاجه من يدرسون من مهارات فكرية وأسس ومبادىء . الثبات وإخفاء مشاكلنا التعليمية سيظهر بصورة حتمية وربما نجنى أثاره ألان في صورة تفكير سطحي للشباب أو تطرف ديني.

القاهرة/باسنت موسى

الحوار المتمدن - العدد: 2155 - 2008 / 1 / 9

 

 

(0) comments
فلسفة التصوف عند ابن خلدون/ عيد الدرويش

ما خبر التصوف لدى ابن خلدون؟

مع عظيم الشكر للأستاذ عيد الدرويش، ننشر المقالة الثالثة في سلسلة المقالات الفكرية التي بعث بها إلينا وهي تدور حول "فلسفة التصوف عند ابن خلدون ":

 

يحتفل العالم في هذا العام بمرور ستمائة عام على وفاة عالم الاجتماع العربي ابن خلدون الذي ولد وعاش في بلاد المغرب العربي وتقلد مناصب كثيرة في حياته ومنها قاضي القضاة في بلاد الأندلس (ت 808 هـ )فقد أصبحت نظرياته في الاجتماع والسياسة ونشوء وطبائع الأمم مرجعا مهما في الحياة البشرية وتدرس في كافة جامعات العالم فقد سبق بني عصره بنباهته ومن خلال ممارسته السياسة آنذاك وإن الخلافات السياسية التي كانت سائدة في عصره كانت زادا معرفيا في وضع تلك النظرية في علم الاجتماع والساسة والحضارة والعمران وقد جمعها في كتابه المعروف (العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر)

ويعتبر ابن خلدون رائد علم الاجتماع في حين يجهل ويتجاهل بعض الغربيين أنهم هم من أسس علم الاجتماع وأما البعض الآخر يدرك أهمية ابن خلدون ويرى في مقدمته المشهورة أن التصوف الإسلامي علم من العلوم الشرقية الحادثة في الإسلام وهذا التصوف في نظره له أصول عند الصحابة والتابعين ومن بعدهم فطريقة الصوفية هي طريق الحق والهداية وأصله العكوف على العبادة والانقطاع الى الله تعالى والأعراض عن زخرف الدنيا وزينتها والزهد فيما يقبل عليه العامة من الناس من اللذات وطلب المال والجاه , ولقد كان الصحابة كما أورد ابن خلدون ينفردون عن الخلف في الخلوة للعبادة , ويقول: أن ذلك كان عاما في الصحابة والسلف الصالح ولم ينظر إليه كحالة متفردة وإنما كان الجميع يعايشون هذا التصوف والزهد في حياتهم اليومية دون أن يشوبها أي نوع من الابتعاد عن العبادة وأداء الفرائض والقيام بالعمل والإخلاص في كل مفردات الحياة اليومية للناس .

ويبين لنا أن ابن خلدون في مقدمته أن السبب في شيوع اسم الصوفية راجع إلى انه قد فشى الإقبال على الدنيا في القرن الثاني الهجري , وبعد كثير من الناس عن العبادة وجنحوا إلى مخالطة أهل الدنيا , وصار علم التصوف في الملـّة علما مدونا بعد أن كانت الطريقة عبادة فقط , كما كان فيها الإنسان المتعبد يسلك في مقامات عدة فمنها المقام للمريد يبتغي منها محاسبة النفس للتخلص من الحزن والهم والكسل الذي يسعى من خلاله هي تلك الرياضة في مقام آخر هو العبادة التي لم تكن في الحالة الأولى , فالعبادة ينتهي فيها المريد إلى  التوحيد وهي الغاية المطلوبة للسعادة التي يبحث عنها , فالمريد لا بد له من الترقي التي تأتي مجتمعة ومشتملة على الطاعة والعبادة وجوهرها الإيمان بالله عزوجل.

 لذلك أختص المقبلون على الله العكوف على العبادة باسم الصوفية والمتصوفة وكأن ابن خلدون يرد على مزاعم بعض المستشرقين والمستغربين عندما يتقولون على الصوفية ويدعون أن هذا التصوف لا أصل له من الشريعة واختلف المتصوفة والمتكلمين من الأتباع في هذا الدين في تفسير هذا السلوك فمنهم من عزا ذلك إلى جوهر الشريعة وآخرون ابتكروا فيه جوانب وانتقدوا جزءا  منه , وبينما فريق آخر تكلم فيما هي المجاهدات والأحوال والرقى وصولا إلى المراتب والمشاهدات التي يجب أن تباح , وحتى في التعبير عنها تعجز اللغة عن الإفصاح عنها, إلا بإماءات وإشارات لم تكن واضحة إلا لمن قطع شوطا كبيرا في المراتب التي تم تعدادها  فيقول في ذلك ( وسار علم الشريعة على صنفين )

1-      صنف آختص به الفقهاء وأهل الفتية وهي الأحكام العامة في العبادات والعادات والمعاملات

2-      صنف اختص به الصوفية وهو في القيام بالمجاهدة ومحاسبة النفس عليها والكلام وفي الأذواق و المواجد وكيفية الترقي من ذوق إلى ذوق وشرح الاصطلاحات التي تدور بينهم في ذلك .ويستطرد العلامة ابن خلدون فيقول: فلما كتبت العلوم ودونت وألف الفقهاء في الفقه , وعلماء الكلام في الكلام وعلماء التفسير في التفسير دوّن رجال من أهل التصوف كتبا في الورع ومحاسبة النفس , ويستشهد في ذلك بما فعله القشيري في كتاب الرسالة والسهروردي في كتاب (عوارف المعارف) كما جمع الأمام الغزالي بين الأمرين وذلك في كتاب (إحياء علوم الدين) كتب الأمام الغزالي عن الورع والإقتداء ثم بين آداب الصوفية و سننهم وشرح اصطلاحاتهم وأدق معارفهم وأصبح علم التصوف الإسلامي علما مدونا بعد أن كان التصوف عبارة عن عبادة فحسب والحقيقة أن التصوف مثله في ذلك مثل علم الفقه والكلام والتفسير والحديث كان علما يتلقى من صدور الصحابة والسلف , وأن لم يكن في القرن الأول والثاني قد دوّن مثل كثير من العلوم الإسلامية , إلا انه كان على الحقيقة موجودا في صدور الصحابة والتابعين وتابع التابعين لقد كان الشغل الشاغل للصحابة في الصدر الأول للإسلام هو العمل الجاد على حفظ وترتيب القرآن بالسنة ثم أصبحت الحاجة ماسة إلى تدوين العلوم , فدوّنت علوم الفقه والتفسير والحديث ثم نشأ علم الكلام ثم التصوف , أو كما يسميه ابن خلدون ( الطريقة ) أو آداب القوم إن المجاهدة والخلود والذكر يتبعها غالبا كشف حجاب الحسن و الاطلاع على عوالم من أمر الله ليس لصاحب الحس أدراك شيء منها . أن الإنسان بما هو إنسان يتميز عن سائر الحيوانات بالإدراك .

ويستنتج ابن خلدون من ذلك أن المريد في الطريق الصوفي يتحصل في كل مجاهدة وذلك الحال , إما أن يكون عبادة تترسخ في نفسه فتصير له مقاما, وأما أن تكون صفة للمريد , وهذه الصفة تكون حاصلة للنفس كأن تكون حزن , أو سرورا , أو كسلا , أو نشاطا إلى غير ذلك من مقامات , وينتهي ابن خلدون إلى القول أن المريد ما يزال يترقى من مقام إلى مقام إلى أن يصل في النهاية إذا صدق إلى التوحيد والمعرفة التي هي الغاية المطلوبة للسعادة , فالهدف النهائي للمريد الصادق في الطريق الصوفي في رأي ابن خلدون هو الوصول إلى التوحيد وشهود أن لا إله إلا الله ويؤيد ذلك بالحديث النبوي من قول الرسول (ص) من مات يشهد أن لا أله ألا الله دخل الجنة ) ويريد ابن خلدون أن ينبه على أن الترقي من حال إلى حال ومن مقام إلى مقام لابد أن يبدأ بالأيمان والطاعة والإخلاص وهنا تصاحب مجاهدة المريد الأحوال والصفات وتأتي عنها نتائج وثمرات فإذا وقع تقسيم من المريد , أو خلل في الثمرات التي يتحصل عليها, فإنما ذلك نتاج لالتفات المريد الحظوظ الدنيوية , أو لوجود آفات كالخواطر النفسية , أو الشيطانية لذلك يحتاج المريد إلى أعاده النظر إلى نفسه وعلاج عيوبها والرجوع إلى محاسبة نفسه في سائر أعماله لأن النتائج مقترنة بالأعمال .

ويضيف ابن خلدون (إن هذه المجاهدة والخلوة والذكر يتبعها غالبا كشف حجاب الحس والاطلاع على عوالم من أمر الله وهو ليس لصاحب الحس إدراك شيء منها والروح من تلك العوالم , وسبب هذا الكشف إن الروح إذا رجع عن الحس الظاهر إلى الباطن ضعفت أحوال الحس وقويت أحوال الروح وغلب سلطانه , فالذكر كالغذاء لتنمية الروح , ولا يزال في نمو وتزايد إلى أن يصير شهودا بعد أن كان علما ويكشف حجاب الحس , ويتم وجود النفس الذي لها من ذاتها , وهو عين الإدراك , فيتعرض حينئذ للمواهب الربانية والعلوم اللدنية والفتح الإلهي , وتقرب ذاته في تحقق حقيقتها من الأفق الأعلى أفق الملائكة) ولهذا يتميز المتصوفة من خلال تلك المجاهدات مشاهدات لا يدركوها غيرهم وكأنهم يدركون الواقعات قبل وقوعها

ويذكر ابن خلدون : حول الكشف , فالعظماء منهم لا يعتبرون هذا الكشف ولا يتصرفون ولا يخبرون عن حقيقة شيء لم يؤمروا بالتكلم فيه بل يعدون ما يقع لهم من ذلك محنة ويتعوذون منه إذا هاجمهم , فالصحابة كانوا أوفر حظا في هذا المجال بالكرامات .

وفي موضع آخر من المقدمة يقول (ثم إن قوما من المتأخرين انصرفت عنايتهم إلى كشف الحجاب والمدارك التي وراءه واختلفت طرق الرياضة عنهم في ذلك باختلاف تعليمهم في إماتة القوى الحسية وتغذية الروح العاقل بالذكر حتى يحصل للنفس إدراكها الذي لها من ذاتها بتمام نشوتها وتغذيتها فإذا حصل بذلك زعموا أن الوجود قد انحصر في مداركها حينئذ وأنهم كشفوا ذوات الوجود وتصوروا حقائق كلها من العرش إلى الفرش , هكذا قال الغزالي رحمه الله في كتاب إحياء علوم الدين بعد أن ذكر صورة الرياضة , ولا يكون الكشف صحيحا كاملا عنده ,إلا إذا كان ناشئا عن الاستقامة )

وقد كان رأيه في الاستقامة للنفس كالانبساط للمرآة فيما ينطبع فيها من الأحوال , ولما عني المتأخرين بهذا النوع من الكشف تكلموا في حقائق الموجودات العلوية والسفلية وحقائق الملك والعرش والكرسي وأمثال ذلك وقصرت مدارك من لم يشاركهم في طريقة عن فهم أذواقهم ومواجدهم في ذلك , وأهل الفتيا بين منكر عليهم ومسلم لهم , وليس بالبرهان والدليل بنافع.

(وإن أول مراتب التجليات عندهم تجلي الذات على نفسه وهو يتضمن الكمال بإفاضة الإيجاد والظهور لقوله في الحديث الذي يتناقلونه كنت كنزا مخفيا فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق ليعرفوني وهذا الكمال في الإيجاد المتنزل في الوجود وتفصل الحقائق وهي عندهم عالم المعاني والحضرة الكمالية والحقيقة المحمدية ويصدر عن هذه الحقائق حقائق أخرى , وهي مرتبة المثال ثم عنها العرش ثم الكرسي ثم الأفلاك ثم عالم العناصر ثم عالم التركيب , هذا في عالم الرتق , فإذا تجلت فهي في عالم الفتق ويسمي هذا المذهب مذهب أهل التجلي والمظاهر والحضرات هو كلام لا يقتدر أهل النظر على تحصيل مقتضاه لغموضه وانغلاقه وبعد مابين كلام صاحب المشاهدة والوجدان وصاحب الدليل وربما أنكر بظاهر الشرع على هذا الترتيب )

كما ذهب آخرون منهم إلى القول بالوحدة المطلقة , وهو رأي أغرب من الأول في تعقله وتفاريعه , ويزعمون فيه أن الوجود له قوى في تفاصيله بها كنت حقائق الموجودات وصورها وموادها والعناصر بهيولاها وزيادة القوة المعدنية ثم القوة الحيوانية والقوة الحيوانية تتضمن زيادة قوتها في نفسها , وكذلك القوة الإنسانية مع الحيوانية ثم الفلك يتضمن القوة الإنسانية وزيادة , وكذلك الذوات الروحانية والقوة الجامعة للكل من غير تفصيل هي القوة الإلهية التي انبثت في جميع الموجودات كلية وجزئية وجمعتها وأحاطت بها من كل وجه لا من جهة الظهور ولا من جهة الخفاء ولا من جهة الصورة ولا من جهة المادة فالكل واحد وهو نفس الذات الإلهية وهي في الحقيقة واحدة بسيطة الاعتبار.

إلا أن وحدة الوجود هذه يفندها ابن دهقان , بأن هذه الدركات البشرية شريطة لوجود المدرك الحسي (أما الموجودات المعقولة والمتوهمة هي مشروطة بوجود المدرك العقلي وليفترض عدم وجود المدرك البشري جملة لم يكن هناك تفصيل الوجود بل هو بسيط واحد فالحر والبرد والصلابة واللين بل والأرض والماء والنار والسماء والكواكب إنما وجدت لوجود الحواس المدركة لها لما جعل في المدرك من التفصيل الذي ليس في الموجود وإنما هو  في المدارك فقط فإذا فقدت المدارك المفضلة فلا تفضيل إنما هو إدراك واحد وهو أنا لا غيره وهذا حال النائم إذا نام وفقد الحس الظاهر فقد فقد كل محسوس ولكن يؤخذ على ابن دهقان في هذا الأمر بوجود البلد الذي نحن مسافرون عنه وإليه يقينا مع غيبته عن أعيننا وبوجود السماء المظلة والكواكب وسائر الأشياء الغائبة عنا)

ولكن بعض المتصوفين المتأخرين يقولون إن المريد عند الكشف ربما يعرض له توهم هذه الوحدة ويسمي ذلك عندهم مقام الجمع ثم يترقى عنه إلى التمييز بين الموجودات , ويعبرون عن ذلك بمقام الفرق وهو مقام العارف المحقق , ولا بد للمريد عندهم من عقبة الجمع , وهي عقبة صعبة لأنه يخشى على المريد من وقوفه عندها فتخسر صفته , فقد تبينت مراتب أهل هذه الطريقة , وكذلك المتأخرين من المتصوفة , ومن المتكلمين منهم في الكشف قد توغلوا كثيرا في هذا الأمر, فذهب الكثير منهم إلى الحلول والوحدة , وملؤا الصحف منه مثل الهروي في كتاب المقامات وغيره وتبعهم ابن عربي وابن سبعين وتلميذهما ابن العفيف وابن الفارض وكان سلفهم من المخلصين للإسماعيلية واختلط كلامهم وتشابهت عقائدهم حتى ظهر في كلام المتصوفة القول بالقطب ومعناه أنه رأس العارفين وهو مقام لا يساويه أحد في المعرفة حتى يتوفاه الله ليرث هذه المكانة لغيره .

أما ابن سينا في كتاب الإشارات في فصول التصوف منها فقال : جل جناب الحق أن يكون شرعة لكل وارد أو يطلع عليه إلا الواحد بعد الواحد وهذا الكلام لا تقوم عليه حجة عقلية ولا دليل شرعي , وإنما هو من أنواع الخطابة, ودانوا به ثم قالوا: بترتيب وجود الأبدال بعد هذا القطب كما قاله الشيعة في النقباء .

وكلامهم هذا في أربعة مواضع : الأول : الكلام في المجاهدات وما يحصل من الأذواق والمواجد ومحاسبة النفس على الأعمال لتحصل تلك الأذواق التي تصير مقاما ليترقى منه إلى غيره , الثاني : الكلام في الكشف والحقيقة المدركة من عالم الغيب مثل الصفات الربانية والعرش والكرسي والملائكة والوحي والنبوة والروح وحقائق كل موجود غائب أو شاهد وتركيب الأكوان في صدورها , الثالث : التصرفات في العوالم والأكوان بأنواع الكرامات , الرابع ألفاظ موهمة الظاهر صدرت من الكثير من أئمة القوم يعبرون عنها في اصطلاحهم بالشطحات تستشكل ظواهرها فمنكر ومحسن ومتأول.

وصفوة القول أن ابن خلدون كان من أبرز المفكرين في عصره ومقدمته الني كانت مقدمة لكل النظريات الاجتماعية والاقتصادية في عالمنا المعاصر.

عيد الدرويش

الرقة- سوريا

 

 

(0) comments
الاحتفاء باليوم العالمي للفلسفة في مكتب "اليونيسكو" بالرباط

شعار اليوم العالمي للفلسفة

بدأ الاحتفاء باليوم العالمي للفلسفة منذ سنة2002 وهو يتوافق والخميس الثالث من شهر نونبر كما أنه مسجل منذ سنة 2005 في لائحة الأيام الوطنية. بهذه المناسبة ستحتضن المملكة المغربية خلال شهر نونبر المقبل الحدث الهام لسنة 2006. كما سيتم تنظيم مجموعة من الأنشطة بكل من مكسيكو ودار السلام وداكار وباريس. وللإشارة فإن اليوم العالمي للفلسفة سيتم الاحتفاء به في أكثر من 80 بلدا في كل أرجاء المعمور.

  الأنشطة المبرمجة في المغرب:

  • محاضرة حول موضوع " الفلسفة والظروف الحديثة"
  • مائدة مستديرة: "الفلسفة والتنوع والتواصل الثقافي" "الحداثة وظروف المرأة" "الفلسفة وعائق امتزاج الثقافات"
  • الحوار الفلسفي مابين الجهات آسيا والعالم العربي يومي 17 - 18 نونبر
  • مقهى فلسفي حول موضوع "اقتسام الفلسفة"
  • مائدة مستديرة حول موضوع "ما الذي يمكن أن تفعله الفلسفة في العالم العربي المتوسطي؟ "
  • مؤتمر "قراءات فلسفية في ابن خلدون"

من بين الفلاسفة المدعوين: أرجون أباديراي، علي بن مخلوف، جان كودفراي، تانيلا بوني، برونو كليمان، أندري كومت سبونفيل، همبيرتو إيكو، فتماح حداد، إييونا كيكيرادي، سيمو باتي غي، عبدالله العروي، ألان دو ليبيرا، غابرييل مارتينيزغرو، محمد مصباحي، إدغار موران، بن سالم حميش، إلياس صنبار، ميشيل سيريس، فتحي التريكي، جياني فاتيمو، ماريا فيغويرا...

عن مكتب "اليونيسكو" بالرباط

http://www.unesco.ma/article.php3?id_article=791

(0) comments
فلسفة التصوف في الفكر الإسلامي/ عيد الدرويش

الأستاذ عيد الدرويش

بعث إلينا الكاتب السوري الصديق المحترم الأستاذ عيد الدرويش سلسلة من المقالات الفكرية قصد نشرها في شرفتنا التواصلية. مع عظيم الشكر للأستاذ عيد، ننشر المقالة الثانية في السلسلة المذكورة تدور حول "فلسفة التصوف في الفكر الإسلامي":

 

كثيرة هي الدراسات والبحوث التي  تناول فيها الباحثون ، والمستشرقون التصوف الإسلامي وأنه  مستعار من التصوف البوذي ، أو الهند ي، أو المانوي ، أو الفارسي ، ومما لاشك فيه أن البيئة العربية في العصور المظلمة كانت تسودها الديانات الوثنية وعبادة الأصنام إلى أن جاء الإسلام وحررها منها ووجهها نحو عباد الله عزوجل لأن تلك البيئة كانت خليطا ومزيجا من الديانات والعقائد الوثنية وعبدة النجوم والكواكب التي جاءت عن الشعوب التي غزت المنطقة كالفرس ، والإغريق ، والرومان ، والكثير من العرب دّان بتلك  الديانات .

وكانت هذه الدراسات توّصف التصوف الإسلامي بأشكال الرهبنة، والزهد، ونسك، وكهنة العقائد والأديان القديمة سواء الوضعية، أو السماوية، وأن هذا التصوف هو امتداد لهذا الفكر في حين هناك ما يدحض هذه المقولات من كتاب الله عز وجل والسنة الشريفة للنبي (ص).

وفريق آخر من الباحثين ينفي أن يكون مرد التصوف الإسلامي  إلى الديانات القديمة ، ولكنه يؤكد على أنه مزيج من الأفلاطونية الحديثة والمسيحية .

ويقول رينولد ( لكن على يقين من أننا إذا نظرنا إلى الظروف التاريخية التي أحاطت نشأة التصوف بمعناه الدقيق ، استحال علينا أن نرد أصله إلى عامل هندي ، أو فارسي ولزم  أن نعتبره  وليد  اتحاد الفكر اليوناني ، والديانة الشرقية ، وبعبارة أخرى ، وليد الاتحاد بين الفلسفة الأفلاطونية الحديثة ، والديانة المسيحية )[1]

 ومنهم من يرجع التصوف الإسلامي إلى تأثر هؤلاء المتصوفة بالديانة اليهودية ، ويقول الباحث جولد تسيهر ، وهو يهودي الأصل يعتقد أن الصوفية الإسلامية قد تأثرت إلى حد كبير باليهودية ، ويستدل على ذلك بأن البعض من اليهود ، قد دخلوا الإسلام ، ووضعوا كثيرا من الأحاديث التي تسمى بالإسرائيليات ، وإن نظريتي التشبيه ، والتجسيم لدى اليهود تشابه نظرية الاتحاد الحلول لدى الفلسفة الإسلامية يقول الشهرستاني ( وجدوا التوراة مملوءة بالمشابهات مثل الصور ، والمشافهة ، والتكلم جهرا ، والنزول من طور سيناء انتقالا ، والاستواء على العرش استواء)[2]

ولا شك أن هناك تمازجا بين تلك الثقافات، والحضارات، وتداخلا بين أديان هذه المنطقة، التي كان يشوبها التعدد، والتنوع في الآلهة، فكانت الأديان الشرقية تجوب المنطقة العربية، كما يجوب اليوم الإسلام الشرق، وبلاد العالم كافة.

كل هذه المقارنات لا تدل على أن جذورا للتصوف في الدين الإسلامي مستمدة من الأديان السابقة ، لأنها تختلف في الوسيلة ، والغاية التي نشأ فيها ، وإن كان بعض المتصوفة يجهلون حقيقة التصوف ، ولا يعرفون عنه  شيئا ، كما يقول ابن عربي  لا يعرف  حلاوة العسل ، إلا من ذاقه .

وحول خطأ الصوفية في سلوكهم  والشكل التعبدي الانعزالي والابتعاد عن مظاهر الحياة التي تمثل مظاهر تعبدية لديانات أخرى تذكر أنه ( قد روى ابن الجوزي كثيرا من الأحاديث يستدل بها على خطأ الصوفية في أفعالهم التي تشبه الرهبنة المسيحية ، والبرهمية مثل الترهب في الجبال والسياحة في الأرض ، والخروج من المال ، وهجر النساء ، والامتناع عن أكل اللحوم ومس الطيب)[3]

إن الفلاسفة ، أو المناطقة ، وأصحاب علم الكلام يخفقون في الوصول إلى حالة العارف والمتصوف ، لأنهم  يعتمدون على  العقل , وأدواته للبحث في الإلهيات ، والبحث في تلك المسائل  هي خارجة عن حدود العقل ، وما نراه أن الخطاب الإلهي للبشر هو على قدر عقولهم , والآيات القرآنية تدل على ذلك  (ليس كمثله شيء )[4] فالله عز وجل منزّه عن التشبيه ، والتجسيم ، والتوصيف ، وما يدور في حلقة الفكر والفلسفة التي لا يستطيع أن يعرج إلى معرفة الألوهيات ، إلا لماما ، وفي الحدود الدنيا التي لا ترى أن هناك قوة خلف هذا العالم ، وأن هنالك خالقا ، أو مدبرا لهذا الكون .

 إن الديانة الإسلامية هي  آخر الديانات السماوية ، وكانت أشملها ، وجاء في القرآن الكريم  كل قصص ومعجزات الأنبياء ، ومضمون الرسالات في كل الديانات السماوية التي سبقت رسالة الإسلام زمنيا ، فهو جامع شامل ، وفي محكم التنزيل (وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه)[5].

 إن شريعة الإسلام جاءت وسطية بين الديانتين السابقتين ، فكانت الاعتدالية والوسطية هي سمتها الأساسية بالنسبة للأمور الدينية ،  والدنيوية ، فاليهودية قد مالت إلى المادية المفرطة في اتخاذها للمبادئ التي حملها دعاتها ، وحرّفوها لكي تتخذ الشكل الأخير بتطرفها بالصهيونية ، وعداوتها للعالم ، فكان معتنقوها في البداية هم من التجار المرابين ، وجاءت المسيحية لتأخذ الشكل الروحي المفرط ( الرهبنة ) وأن المسيح هو ابن الله ، أو أن الله قد تمثل بالنا سوت ليخلّص البشرية من الآثام والخطايا ، وجاء الإسلام ليوضح هذه المسائل بشكل صريح وواضح ( عيسى ابن مريم )[6] وأن الله واحد أحد كما جاء في قوله تعالى (  الله الصمد , لم يلد ، ولم يولد ، ولم يكن له كفوا أحد )[7]

إذا كان المستشرقون يقولون أن التصوف هو امتداد للتصوف والزهد في الأديان السابقة ، ففي الأديان الوضعية يعتمد التصوف على أقوال وأراء أشخاص يماثلونهم في التفكير ومبادئ جمعوها لمفكريهم وعصارة عقولهم ،أما التصوف في الأديان السماوية هي سلوك وفق الأوامر الإلهية التي تفوق قدرة البشر بل هي جوهر الوجود على الإطلاق  وبهذا يكفي أن ندلي بتلك الحجة فالاختلاف كبير بين هذا وذاك  ، وإذا كان قصور العقل في إدراك الفصل بين الوضعي والسماوي فهو قصور أيضا في قدرة ذلك العقل عن معرفة حقيقة التصوف الإسلامي ، وحتى المتصوفة أنفسهم ليسوا بمنأى عن هذا الافتراض .

- نجد مفارقة كيف يتأثر هؤلاء المتصوفة المسلمون بالتصوف البوذي ، أو الزرداشتي ،أو الفارسي ،أو المانوي ( ويبدوا أن ما سينون  يربط بين التصوف الشيعي ، والتصوف السني ، بقصد أن يثبت نظرية متوهمة ، فحواها أن التصوف الإسلامي متأثر بالمانوية ، أو بمعنى آخر تأثر مدرسة التصوف في الكوفة  بالثقافة الآرامية ، التي كانت مؤسسة على نظرية الحب الإلهي ، كما تأثر التصوف الإسلامي من ناحية أخرى بثقافة أخرى بثقافة البصرة المتأثرة بالثقافة الهندية )[8]

وأن التصوف الإسلامي يرتكز حول الإله الواحد المنزّه الواحد الأحد الصمد ، بينما في الأديان الوضعية هي سلوك لبعض الأفكار،  وعبادة آلهة كثيرين ، ومجسدة أمامهم في تماثيل ، وفي الأديان السماوية كاليهودية ، وصفت الإله بأنه يحاور بني إسرائيل ، وأنه  يستشير البعض منهم ،  وأنه استجاب لرأي أحدهم ، فالمتصوفة في اليهودية الذين جمعوا تلمود هم  في بابل ، وقسم آخر في فلسطين ، المروي شفاها بعد فترة طويلة من الزمن ، والمسيحية تذهب إلى عبادة المسيح ، وبدعواهم هي عبادة الله عز وجل .

ومن يقول أن التصوف الإسلامي أنه متأثر بتصوف الأديان والمذاهب السابقة ، والمتصوفون هؤلاء المعتنقين متأثرون بالتي هي أسبق منها ، فكان من الأجدى أن يكونوا متصوفين بالديانة التي يعتنقونها ، والدراسة التي نقوم بها إلا  لتبين أشكال التصوف التي مرت بها هذه الأديان  الوضعية منها والسماوية ، ولكشف  التفرد لكل ديانة سماوية لشكل التصوف ومتصوفيها .

كانت كلا الديانتين اليهودية والمسيحية تتحدث عن رسالة سماوية كاملة ستأتي لاحقا وهذا ما جاءت به الديانة الإسلامية لتتناول الديانتين السابقتين بشكل واضح وصريح وتضم سير الأنبياء والرسل, وطبيعة كل من هاتين الديانتين السابقتين.

يشترك أبناء كل العقائد ، والأديان في أنهم من بني البشر ، وبما يمتلكون من عقل ، وما يتماثلون في الميول ، والرغبات ، والشهوات ، وحبهم للفضول وبهذا نرى أن هناك ميلا لفضول ذلك الإنسان لمعرفة الحقيقة ، التي يبحث عنها ، وجاءت الأديان لتوضح القوانين ، والأدلة ، والمعايير ، والطرق ، والسنن ، والنظم ، والمعارف ، وصارت قيما مكتملة بالديانة الإسلامية .

ألم يكن ذلك كافيا للرد على  دعا ويهم ، بأن هذا التصوف هو تقليد للتصوفات الأولى في الأديان السابقة ، ولكن أيضا يجب أن نفهم أنه التصوف هو من جهة الصفاء  ، للتقيد بالشريعة الإسلامية أو من مصطلح الأصفياء .

عيد الدرويش

الرقة- سوريا.



[1]- المذاهب الصوفية ومدارسها – ص :20 .

[2]- المذاهب الصوفية ومدارسها – ص :26 .

 

[3]- التصوف الثورة الروحية – ص: 66.

[4]- سورة الشورى -  آية : 11.

[5]- سورة المائدة - آية : 48.

[6]- سورة البقرة - آية : 87.

[7]- سورة الإخلاص.

[8]- التصوف والثورة الروحية – ص: 29.

(0) comments
فلسفة التصوف في الأديان

الأستاذ عيد الدرويش

بعث إلينا الكاتب السوري الصديق المحترم الأستاذ عيد الدرويش سلسلة من المقالات الفكرية قصد نشرها في شرفتنا التواصلية. مع خالص الشكر للأستاذ عيد، سننشر واحدة تتعلق بـ"فلسفة التصوف في الأديان" في الحلقة الأولى من تلك المقالات على ان ننشر الباقي في حينه:

 

الكتابة عن التصوف في الأديان والثقافات يتطلب منا جهداً غير عادي للدخول في الفصل بين المفاهيم والمصطلحات والمعاني والدلالات واشتقاقاتها في معناها اللفظي والمجازي التي اتسم بها هؤلاء , والتطرق إلى منهجية الدراسة لتوضيحها , أو الإمعان بها من أجل الوصول إلى جوهر التصوف وأبعاده الكونية الإلهية فلابد لأي دارس لهذه الظاهرة من دراسة الفكر الديني والمعرفة الكاملة عن مسيرة الأديان الوضعية والمعتقدات , والشرائع السماوية ، ومعرفة الجوانب المادية والروحية في الأديان كافة , وبخاصة عندما يتعلق الأمر بالإنسان لأنه سيد هذه الأرض الذي كان يدفعه الفضول لاكتشاف المعرفة على أوسع نطاق لان كل ما أنتجه العقل البشري حتى تاريخه لم يصل إلى حقيقة مطلقة ولن يصل إليها في درجة الكمال , وكلما تطور يجد نفسه تواقا إلى المعرفة ويكتشف أسرارا جديدة تدل على عظمة الخالق في حيز البصيرة والإشراق التي تم تحصيلها بالمجاهدة في كافة مفردات حياته وفي نومه ويقظته , ويجد في نفسه المفارقات التي تدفعه بين الحين والآخر لقد بحث الإنسان في نفسه وفي محيطه وكل ما أدركته حواسه ليبدأ يفكر في أبعد ما في هذه الحياة , ويصوغ نظما وعقائد معتمدا على عقله المحض ولكن ذلك لن يشفي غليله من التساؤلات التي بقيت تمخر عباب عقله وذاكرته , ويهدأ حينا عندما يعزوا ذلك إلى أن لهذا الكون مدبر أكبر مما تدركه هذه العقول  وبدأ يبحث عن السعادة الأبدية وعالم الخلود وظل التباين واضحا بين الأديان الوضعية حول تلك المسائل إلى أن جاءت الأديان السماوية اتساق للمعرفة وإجابات عن كثير من الأسئلة التي كانت تدور في حياة الإنسان ولا نجد تطابقا بين معرفة هذه المسائل في الجانب الفلسفي والجانب الديني بل نجد التباين واضحا في مسائل التصوف والزهد والنسك والمغالاة في العبادة من قبل القيمين على ذلك من دين لآخر ، فتكثر المصطلحات واشتقاقاتها , فمنهم من يقول : إن الصوفية جاءت من أهل الصفة الذين يعزفون عن الدنيا والعيش مع اللذات الإلهية التي جاءت بها الشرائع السماوية , أو ما تطرقت إليه العقائد والأديان الوضعية ، وفي موضع آخر يأتي معنى التصوف من الصوف الذي يلبسونه للخشونة ومجاهدة النفس يريدون من خلالها الوصول إلى العبادة المطلقة وهم أهل الورع والتقوى ,

ويعتبر التصوف ظاهرة دينية المنشأ ، لأنها ظهرت ضمن العقائد والفلسفات الدينية ثم أخذت مكانتها في المصطلحات الرسمية والتعابير الخاصة ، وإن اختلفت تسمياتها من دين لآخر ، وقد استعارتها أنواع المعرفة والعلوم ، ومن لهم تفرد في بعض جوانب تلك المعارف ، والفنون ، والأجناس الأدبية ، وبخاصة جانب الشعر ، وحالات الوجد فيه مما يجول في النفس من مشاعر وأحاسيس , وقد عبر الشعر عن جوانب التصوف وما يعتلج في النفس من مكابدة .

 وهذه الظاهرة عالمية وفي الجوانب المعرفية كلها، لأنها تتعلق بطبيعة الإنسان من حيث ما تم إبداعه ، والنظر في ظاهر الأمور الحياتية اليومية ، وما يحيط به من عوالم ، وكائنات , فوضع نسقا من المعارف التي استقاها من واقعه ، لكي يحقق نوعا من حالة الاستقرار النفسي , والاجتماعي ، ضمن البيئة التي يعيش فيها مع أقرانه، ومع تقدم البشرية كانت هذه القوانين ، والأعراف هي دستور حياته ، وتنظيم علاقاته مع الآخرين ، وتعتبر مقدسة ، قد أخذت هذه القداسة منحى آخر عما وضعه هذا الإنسان من مبادئ ،وقيم , وقوانين ، و عما كان يجول في ذاكرته التي لم تهدأ عن البحث عن حقائق أخرى تجري خلف هذا العالم ، لا يستطيع إدراكها ، وجسد فيها العظمة بالشكل والمضمون التي تنقصه،  وهي أن هناك قوة خارقة تفوق قوة البشر مجتمعين ، وعبر عنها بالآلهة ، وجسّدها بأشكال مختلفة ، ووضع لها النُصب والتماثيل ، وقدم لها القرابين ، للتقرب منها لتحميّه من كلِّ مكروه ، وهناك من يرى ذلك الفعل توسطا للآلهة ، لأنه لا يدركها ، فقد اختلفت أشكال الآلهة وأنواعها من مكان لآخر ، ومن زمن لآخر ، وإن تعددت أشكال العبادة لها ، ولكنها اتحدت في الهدف ، هو معرفة حقيقة هذه الآلهة ، وكل ما صيغ حول هذا الموضوع يندرج في مفهوم الدين ، ليصعد إلى مرتبة القداسة .

 من هنا يصعب إيجاد تعريف جامع مانع لهذه الظاهرة , لأن كل تجربة هي فردية تتعلق بجوانب متعددة ، ومعقدة ، في بنية الفرد ، وعقله ، وعلمه ، ويقينه ، ودينه ، وهذه المعرفة روحانية ،  قد لا تحتويها اللغة في مفرداتها ، لأن سلوكها من قبل هؤلاء تبقى في حدود الفردية ، وعند دراستها من قبل الباحثين في هذه التجربة تواجههم إشكالية الوصول الى وضع منهجية للتصوف ، بالإضافة إلى أن أصحاب التجربة الصوفية من معتنقي هذا الدين ، أو ذاك هم قلة ، لأنها تتسم بالفردية، وأن الشعور الداخلي ، والباطني ممزوج بالقيمة العلمية ، والمعرفية ، وقدرة ذلك الفرد على معايشة مثل هذه الأمور،  واختلاف ذلك الشعور من فرد لآخر في الحالة العادية وما يندرج تحت هذه الحالة الصوفية، ولم يكن هناك ناظم شامل لتلك التجارب، والمعضلة الأخرى هي صعوبة نقل هذه المشاعر ،  والتعبير عنها ضمن مفاهيم دقيقة، فضلا عن الوصول إلى حالات الشطح الذي تكابد المتصوف وفق بيئته وموروثة وبنيته العقلية وعواطفه وامتلاكه لمقدرات اللغة التي سيخاطب بها الآخرين ومن صفات المتصوف أن يتخلص من عقدة الامتلاك لكي يحرر نفسه الأمارة بالسوء وتزكيتها بالعمل الصالح ، وهذا ما ينطبق على مقولة ابن سمنون عن التصوف (ألا تملك شيئا , وأن لا يملكك شيء) فلا يستطيع أن يتحدث عنها ، إلا من تذوقها ، ومن تذوقها يعسر عليه نقل ذلك إلى الآخرين .

وظهرت مذاهب وحدة الوجود لدى الفلاسفة ، والمتصوفة ، عندما أرادوا إدراك الطبيعة بعقولهم ، وإدراك العلاقات بين الكائنات الموجودة في هذا الكون ، والبحث وراء هذا الوجود ، للوصول إلى الحقيقة ، فخارت قواهم ، وخابت آمالهم ، فاتجهت رؤاهم ، وتفكيرهم إلى أن الخالق موجود في كل الظواهر في هذا الكون، ومن هنا انطلق الفلاسفة ، والمتصوفة في شطحا تهم بوحدة الوجود .

إلا أن الديانات التي رأت ذلك هي التي كانت معتمدة على العقل ،  أي الديانات الوضعية ، أما الديانات السماوية ، فالغلاة من المسيحيين قد نحوا الى وحدة الوجود، بأن الله تجسد في المسيح ، وهذا جزء من وحدة الوجود ، على الرغم أن المسيحية لم تأتي بهذه التعاليم ، وعلى نفس المسار نرى المتصوفة الإسلاميين ، والفلاسفة قد تطرقوا إلى هذه المقولة (وحدة الوجود) مثل ابن عربي ، وغيره من العلماء , فالإسلام قد حارب الوثنية ، ووجّه التفكير في خلق الله  ، وليس التفكير في ذات الله ، لأن هذا مما لا يمكن الوصول إليه ، وقد أخفقت كل الديانات السابقة عن الإحاطة  بهذا الموضوع .

 إن معايشة الصوفي لحالات الوعي حينا ، واللاوعي أحيانا أخرى ، تفوق قدرة الحواس في الكشف عن الاشراقات التي يعايشها ، وإن ما تذكره منها يصعب على حواسه  الإفصاح عن مكنون هذه الحالات ، والمشاعر،  فإن تكلم بإشارات ، و تعابير مبهمة ، فسوف تكون خارج المنطق ، ومفاهيم اللغة التي يبوح بها، وأن هذه الحالات ممزوجة بالشعور، والإحساس ، وهي أقرب إلى الحالات النفسية منها إلى اللغة ، والتعابير إذ يمكن استيعاب جوانب الشطح، وحالات التماهي مع الذات الكلية ، وحالات العشق الإلهي ، فكانت قريبة إلى الشعور أكثر منها إلى العقل الذي يعتمد على نمطية معينة في الخطوات العامة في التفكير ، وتكمن الصعوبة أيضا في إمكانية صياغة تعريف جامع للتصوف ، وقد تناول بعض الفقهاء هذا التعريف وعبروا عنه في معاييرهم ، فما هي إلا رسوم، وعلوم تنال بالاكتساب لقد تسربت هذه المفاهيم  إلى الزهد ، والرهبنة ، والتصوف، والتعبد، والنسك ، ونجد هذا المفهوم في الفلسفة اليونانية مؤلفة من مقطعين (فيلو – سو فيا) أي حب الحكمة ، فالتصوف يشير الى ذلك من حيث المبدأ ، وهو معرفة الحقيقة المطلقة ، ومعرفة الخالق، وهذا ديدن الإنسان على مر العصور، وإن اختلفت الرؤى ، والمذاهب ، والمشارب ، فكانت بكل ما صاغه العقل البشري يوما ما، وبما يمكن  أن يتوصل إليه مستقبلا ، وهو أدنى من حدود العقل الكلي ، وستبقى المعرفة الكلية عسيرة عليه.

إن التجربة الصوفية ليست لها هوية ، وهي مختلفة في مراحلها عند المتصوفة ، ففي عملية المجاهدة والتصوف يصل الفرد إلى حالات، ومراتب تختلف عن المراتب التي يصل إليها الآخر، وما نراه من خلال التجارب الصوفية ، وهذا أيضا يدل على مدلولها التاريخي – فالعلامة ابن خلدون يقول :( فلما فشا الإقبال على الدنيا في القرن الثاني الهجري ، وما بعده وجنح الناس إلى مخالطة الدنيا ، اختص المقبلون على العبادة باسم  الصوفية ، والمتصوفة ، وقال القشيري رحمه الله ، ولا يشهد لهذا الاسم اشتقاق من جهة العربية ، ولا قياس، والظاهر أنه لقب ، ومن قال اشتقاقه من الصفاء ، أو من الصفة ، فبعيد من جهة القياس اللغوي قال : وكذلك من الصوف لأنهم لم يختصوا بلبسه ، وهم في الغالب مختصون بلبسه لما كانوا عليه من مخالفة الناس في لبس فاخر الثياب إلى لبس الصوف.

إن مثل هذا الغنى الصوفي، يضفي على الدراسة شيئا من الصعوبة ، أمام وضع أسس منهجية ، وأكاديمية  لكل دارس ، وباحث ، وما نراه أن الباحثين تتفاوت دراساتهم بين باحث وآخر، من حيث الأسس ، والنتائج ، والأهداف ، وتتداخل مسائل كثيرة .

إن دراسة ظاهرة التصوف ، تتعلق بأديان وضعية كانت أو سماوية ، وتتضمن مجموعة من التعاليم ، والمبادئ ، والصيغ التي وضعها الإنسان ، وفق معايير توصّل إليها بمجرد العقل ، والحواس دفعته لوضع مثل هذه التعاليم ، والمبادئ ، ليتقيد بها، وأن مريديه وأتباعه يأخذون ذلك مع الغلو، والمجاهدة أكثر من هؤلاء مؤسسي هذه الأديان ، كالبوذية ، والهندوسية ،والتاوية، الزرادشتية والكونفوشيوسية ، فضلا عن المذاهب التي تفرعت عنها ، فكانت تبحث عن حقيقة الوجود ، واختلفت هذه الديانات ، ولكنها تركز على أن هناك قوة خفية وراء هذا الكون، يفوق قدرة البشر ، من خلال تعاقب الأجيال ، وأن تصرفات البشر تحمل ما هو شر وذلك عند تطبيق هذه التعاليم من قبل العامة ، وإن مخالفة ذلك تجلب عليهم الثبور، هذه الفترة تميزت بالاعتماد على ما أنتجه العقل المحض ، فقد اتجهت قواهم العقلية وتصوراتهم للبحث عن تلك الحقائق في المظاهر الكونية في الشمس والقمر وبعض النجوم وبعض الكائنات الحية ولم يتوقفوا عند هذا الشكل بل رسموا نظاماً أخلاقياً وتربوياً واجتماعياً نتلمس ذلك من خلال الاطلاع على تلك العقائد الصوفية والحضارات والثقافات التي نشأت في الشرق القديم , وتمازجت مع الحضارات المتاخمة لها ونلحظ ذلك في تربية الهندوسيين , وتعاليمهم الأخلاقية , وكذلك البوذية في مفردات حياة أولئك المعتنقين لها , وإن تناقص عددهم , وأعداد غيرهم من الديانات الوضعية بعد ظهور الديانات السماوية اليهودية ، والمسيحية ، والإسلامية ، وكان مرتكزها النبوة ، والوحي الإلهي , وهما صلة الوصل بين الإله والبشر ، فكانت ظواهر التصوف أكثر وضوحا في هذه الديانات لأنها ديانات التوحيد ، وأعطت مسارات محددة لقضايا كثيرة في حياة الإنسان في الدنيا والآخرة.

وهذا يجعل ظاهرة التصوف في تلك الأديان ذات منحى واحد ، وجوهر واحد في الشكل والمضمون هي التعبد الزائد ، وأداء المناسك بشكل كلي، والعزوف عن متطلبات الحياة ، ومع ذلك ظهر التباين بين هذه الفرق لتلك الأديان ، وقد نجد هذا التصوف لدى الأديان التي لم تؤسس على النبوة ، والرسل التي كانت تفضي إلى الاعتزال ، وتبحث عن الحقيقة التي تكون بعيدة عن الملذات،   والشهوات ، والبحث عن سعادة النفس الفردية.

عيد الدرويش

الرقة-سوريا

 

(0) comments


<<Home