نشرت اليونيسكو تقاريرها عن مختلف الأنشطة المبرمجة بمناسبة اليوم العالمي للفلسفة 2006 في كافة الدول ومنها المغرب؛ حيث جاء في تقرير الهيئة الدولية أن "الجمعية الفلسفية التطوانية" أعدت برنامجا لشهر نوفمبر تحت شعار "الفلسفة في عصرنا" ضمنته محاضرات في ثانويات المدينة مع تنظيم مائدة مستديرة حول ماضي ومستقبل الفلسفة في المغرب وفرنسا وإسبانيا". وتجدر الإشارة إلى أن جمعيتنا الوحيدة التي احتفلت باليوم العالمي للفلسفة في المغرب خارج الإطار الرسمي المرتبط بمكتب اليونيسكو بالرباط، وذلك بسلسلة المحاضرات والندوات التي نظمتها في الثانويات التأهيلية بمدينتنا العامرة تحت شعار "الفلسفة في عالمنا" متوجهة في ذلك إلى المستقبل المتمثل في تلاميذ وتلميذات "الليسيوم" مكان نشاة الفلسفة في أول ظهورها التاريخي. وبالمناسبة، يمكن الاطلاع على تقرير الهيئة الدولية بخصوص موضوع الاحتفال باليوم العالمي للفلسفة في انحاء العالم ومنه تطاون في الرابط التالي:
http://portal.unesco.org/shs/fr/ev.php-URL_ID=10228&URL_DO=DO_TOPIC&URL_SECTION=201.html
عن سن تناهز السابعة والسبعين، توفي في باريز يوم الثلاثاء 6 مارس 2007، الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي "جان بودغيار" Jean Baudrillard (1929-2007) أحد منظري فكر مابعد الحداثة. أسس "بودغيار" مجلة "أوطوبيا"، ونشر ما ينيف على مائة عمل من سائرها "نظام الأشياء" الصادر عام 1968، و "مجتمع الاستهلاك" عام 1970، و "حرب الخليج لم تقع" عام 1991، و "أمريكا" عام 1997، و "روح الإرهاب" عام 2002. لقد رفض "بودغيار" صاحب التكوين الفلسفي الألماني، الفكر العلمي التقليدي، ووضع فلسفته على أساس مفهوم افتراضية العالم الظاهر. وبالإضافة إلى هجومه على مجتمع الاستهلاك، واعتباره الحشود متواطئة مع هذا الوضع، سعى في نقد جذري لوسائل الإعلام ناقما عليها فلسفتها الإعلامية المترافقة مع قيم الاستهلاك. مع "بودغيار"، سفتقد الفكر الفلسفي الفرنسي والإنساني أحد كبار رجاله، وسيكون على مؤرخي الفلسفة في عصرنا إضافة إشارة الموت إلى واحد من الذين أسهموا بوفرة في إرساء "اوطوبيا" بديلة عن الأطوبيات التي اعتقد في صحتها الناس، وزينها لهم الساسة، ومن ثم سيبدأ انبعاث جديد أساسه قراءة أعمال هذا الفيلسوف انطلاقا من تاريخ الفلسفة وليس من فلسفة التاريخ.
بمناسبة الاحتفال باليوم العالمي للفلسفة لعام 2007 قامت "الجمعية الفلسفية التطوانية" بتنظيم سلسلة من المحاضرات في ثانويات مدينتنا ومنها ثانوية جابر بن حيان حيث ألقت الدكتورة فضيلة الوزاني عرضا حول "العلم والتعلم في الفكر الإسلامي". وتذكيرا بأجواء العرض ومضامينه، ننشر نصه فيما يلي...
عندما تلقيت دعوة "الجمعية الفلسفية التطوانية" للمشاركة في هذه السلسلة [من المحاضرات بمناسبة اليوم العالمي للفلسفة] كنت حائرة في إيجاد موضوع مناسب، وذالك أن مواضيع الفلسفة المقترحة في مناهج التعليم الثانوي السابق، كانت تدرج من قبل في خانة الفلسفة الغربية، وتأتي في الجزء الأول من المقرر، بينما يشغل الجزء الثاني موادً أدرجتها الجهات المعنية في خانة الفكر الإسلامي، وتندرج فيها مواضيع علم الكلام، والفرق الإسلامية.
اليوم وأنا ألقي نظرة على مقرر الفلسفة لمدارس الثانوية [التأهيلية]، أجد أن المواضيع المقترحة تسترفد من مادة اللسانيات.. لذا وجدتني أصر في عنوان هذه المداخلة أن أذيلها بمصطلح الفكر الإسلامي، حتى يتسنى لنا أن نطل على هذا الحقل المعرفي والفلسفي الواسع، القريب منا، من خلال موضوع قد يبدو لنا سهلا، لاكنه في الحقيقة أسال الكثير من مداد العلماء والفلاسفة المسلمين.
هذا العنوان هو أيضا من وحي الفضاءات الغزالية بامتياز، نسبة إلى حجة الإسلام، أبي حامد، محمد بن محمد الغزالي الطوسي الشافعي- 505هـ/، وهو أيضا من وحي الفكر الخلدوني، نسبة إلى عبد الرحمن ابن خلدون، المفكر المغربي المعروف.
ولأن الغزالي يمثل الشرق الإسلامي، ويمثل ابن خلدون الغرب الإسلامي، فإني أتكئ عليهما وعلى غيرهما من علماء المغرب خاصة، في هذه الأمسية، لإضاءة بعض جوانب هذا الموضوع.
أول ما يطالعنا في مؤلفات ومصنفات العلماء المسلمين، هو الحديث عن أهمية العلم والتعلم والتعليم أيضا، انطلاقا من ارتباط العلم وطلب العلم بالدين. ولطالما تطالعنا جملة تعتبر مدخلا لمقدمة الكتب بعد التسمية والتصلية والحمدلة، فيكون التصدير على الشكل التالي :" بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أفضل المرسلين، أحمدك يا من خلق الإنسان وعلمه البيان، وجعل تعلم علم الديانة والتفقه في أحكامها فريضة واجبة على الأعيان"، والأعيان جمع عين، أي أن تعلم العلم فرض عين لا كفاية.
ويجعل الإمام الغزالي تقسيم كتابه: "إحياء علوم الدين"، إلى ما أسماه بتقسيم إلى "أربعة أرباع"، وهي ربع العبادات وربع العادات وربع المهلكات وربع المنجيات، ثم يضيف:" وصدرت الجملة بكتاب العلم لأنه غاية المهم، لأكشف أولا عن العلم الذي تعبد الله على لسان رسوله"ص" الأعيان بطلبه، إذ قال رسول الله" طلب العلم على كل مسلم فريضة"، وأميز بين العلم النافع من الضار. عملا بقول رسول الله:" نعوذ بك من علم لا ينفع" انتهى كلام الغزالي. وإذا ما تصفحنا كتاب العلم، من كتاب "إحياء علوم الدين"، ولنا أ نقف قبلا أمام هذه التمسية، إحياء فإننا نجده مقسما إلى ثلاث: فضيلة العلم، وفضيلة التعلم وفضيلة التعليم. وذيل كل مبحث بشواهد من العقل و النقل وهي كثيرة. فشواهده من القرآن، على سبيل المثل لا الحصر:" شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط". ويقول" انظر كيف بدأ الله سبحانه بنفسه وثنَّ بالملائكة، وثلَّثَ بأهل العلم، والشاهد الثاني:" يرفع اله الذين آمنوا منكم، والذين أوتوا العلم درجات". وفسر الصحابي ابن عباس، رضي الله عنهما، هذه الآية:" للعلماء درجات فوق المؤمنين بسبعمائة درجة، ما بين الدرجات. وقال عز وجل:" هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون". وقال تعالى": إنما يخشى اللهَ من عباده العلماءُ". وقال أيضا": قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب". وقال في قصة سليمان مع الملكة بلقيس:" قال الذي عنده علم الكتاب أنا آتيك به". تنبيها على أنه اقتدر بقوة العلم وفي سورة القصص:" وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خيرٌ لمن آمن وعملَ صالحا"، ليبين أن عِظم قدر الآخرة يعلم بالعلم، وقال في سورة العنكبوت:" وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العلمون"َوفي قول الله تعالى:" يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يوارٍي سوءاتكم". يعني العلم و"ريشا" يعني اليقين، و" لباسُ التقوى" يعني الحياء. وقال في سورة الرحمن:" خلق الإنسان علمه البيان"، وابتدأ الوحي بقول الله عز وجل": إقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق، إقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم". ولو تتبعنا الشواهد النقلية من القرآن مع الغزالي لما كفانا اليوم الكامل لسردها، ناهيك عن السنة والآثار. الفقيه التطواني أحمد بن محمد المرير، المدخل إلى كتابه " النعيم المقيم" بعنوان"طالعة خطبة الفهرسة: "طلب العلم فريضة، والعلم الواجب على الأعيان". وهذا الحديث رواه البيهقي وغيره واختلف الحفاظ في صحته، لاكن معناه صحيح. وأخرج أبو عمر عن أنس:" اطلبوا العلم ولو بالصين، فإن طلب العلم فريضة على كل مسلم، وعلق ابن راهويه على هذا الحديث بقوله:" طلب العلم واجب ولم يصح فيه الخبر، إلا أن معناه أنه يلزمه طلب علم ما يحتاج إليه من وضوئه وصلاته ويقول ابو عمر، يريد إسحاق ابن راهويه:" أن الحديث في وجوب طلب العلم في أسانيده مقال لأهل العلم بالنقل، ولاكن معناه صحيح عنده. وعن ابن وهب قال" سئل مالك عن طلب العلم، أهو فريضة على الناس؟ فقال: لا، ولاكن يطلب من المرء ما ينتفع به في دينه. وعلى كل وجه، فإن معنى هذا الحديث صحيح، ومعناه أن كل علم لا يعذر المكلف بجهله، فهو عليه فرض عين، كمعرفة الله وما يجب في حقه، وما يجوز وما يستحيل، ومعرفة رسله وكيفية الفروض العينية، من الصلاة والزكاة والصيام والحج، ويكفي في الفرض العيني تصور ذالك على طريق أهل المنطق والكلام من إحكام الحجج والاستعداد لدفع الشبه ، فإن هذا هذا القدر هو فرض أيضا لاكن على وجه كفاية، يكفي أن يقوم به البعض من الامة، ومثل ذالك القيام بتفاصيل علوم الشريعة، من تفسير وفقه أصول، زل ما يتوقف عليه من علوم العربية
وأضاف أبو عمر بن عبد البر: ثم سائر العلم وطلبه، وتعليم النتاس إياه، وهو فرض كفاية، يلزم الجميع فرضه، فإذا قام به سقط فرضه عن الباقين، لاخلاف في ذلك بين العلماء، وحجتهم فيه قول الله تعالى:" فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم". والخلاصة في هذا الحديث يدل على وجوب تعلم العلم وطلبه، على كل فرد من أفراد المسلمين. ولاكن لما كان العلم جنسا تحته أنواع من العلوم منها ما هو شرعي ديني، أو آلة للديني، ومنها ما هو غير شرعي، لا آلة للشرعي.
وقد اختلف العلماء فيما يحمل عليه الحديث من العلم: فقال أهل الكلام إنه علم الكلام الذي موضوعه ذات الله تعالى وهو أعلى الموضوعات وأشرفها. وقال أهل الفقه إنه علم لفقه والأحكام، إذ به تعرف العبادات والحلال والحرام. وقال المفسرون وأهل الحديث هو علم الكتاب والسنة، إذ بهما يتوصل إلى علوم الديانة كلها. وقال الصوفيه هو علم التصوف، إذ به يصل العبد إلى ربه، وقال أبو طالب المكي:"هو العلم بمضَمَّن قوله عليه السلام: "بني الإسلام على خمس، شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله" الحديث القدسي.
ويذهب الغزالي إلى القول:"الحق في ذالك ما قاله الإمام بن راهويه، أن معناه طلب ما يحتاج إليه من وضوئه وصلاته وزكاته...وبعبارة إن الإسلام قول واعتقاد وعمل، فإذا بلغ الرجل عاقلا أو دخل في الإسلام، فأول ما يجب عليه تعلم كلمتي الشهادة، وفهم معناهما واعتقاده، فإذا وصل وقت الصلاة، فعليه تعل أحكام الطهارة، ثم أحكام الصلاة، فإذا دخل شهر رمضان وجب عليه تعلم أحكام الصيام، فإذا ملك نصابا من الفضة أو الذهب، أو الأنعام أو الحرث، وجب عليه تعلم الزكاة، فإذا تأتى له الحج، وحصل على الاستطاعة وجب عليه تعلم أحكام الحج، فإذا تطلب معاشا من تجارة أو صناعة أو حراثة أو ولاية، فعليه أن يتعلم ما يحل فيها وما يحرم، وما يجب عليه من حقوق، فذو التجارة يجب عليه أن يتعلم أحكام البيع والشراء، من صحة وفساد، ولأحكام الربا وما يصح من الشركات وما يفسد وغير ذالك، وهكذا ذو الصناعة وذو الحراثة، وكذا صاحب الولاية، فالأمير الأعظم يجب أن يكون عالما، والقاضي كذالك، والوزير لابد أن يكون عالما بما أنيط به من الأعمال، سواء كان وزيرا عاما أو خاصاً وكذا والي المدينة، وصاحب الشرطة، ووالي المظالم وصاحب الحسبة، إذ أحكام الشريعة ملاحظة في كل الأعمال سواء تعلقت بالأفراد في أنفسهم، أو تعلقت بأرباب الولايات المتعلقة بالناس.
ويعلق عبد الرحمن ابن خلدون : " ..هذا المعنى يرشد إيه قوله تعالى:"ولا تقفُ ما ليس لك به علم"، أي ولاتكن في إتباعك ما لا علم لك به من قول أو فعل، كمن يتبع مسلكا لا يدري أنه يوصله إلى مقصده أم لا، فهو ضال، والمراد النهي عن أن يقول الرجل ما لا يعلم، وأن يعمل بما لا يعلم.
يرى ابن جزي أنه وقع الإجماع على أنه لا يحل لامرئ مسلم أم يقدم على أمر حتى يعلم حكم الله فيه. هذا ما يفيده الحديث من وجوب تعلم العلم على كل مسلم، أما ما زاد على هذا القدر من العلوم، ففيه تفصيل وتقسيم، لأننا قدمنا أن العلم إما شرعي ديني، أو آلة للشرعي، وإما غير شرعي ولا آلة للشرعي. فالشرعي الديني أصله الكتاب والسنة، ويتعلق بالكتاب القراءات والتفسير، وبالسنة علم الحديث ومعرفة رجاله. ويتفرع من الكتاب والسنة أصول الدين وفروع الفقه، ويدخل في الفقه التصوف لأنه فقه الباطن. وأما ألآت : فأصول الفقه وعلوم اللسان العربي، من نحو ولغة ومعان وبيان ونحوها، وغير الشرعي أربعة أقسام:
· ما ينفع ولا يضر، كالطب والحسابـ وقد يعد الحساب من آلات الشرعي، للحاجة إليه في قسمة التركات ونحوها.
· وما يضر ولا ينفع، كالفلسفة والنجوم، إلا ما يعرف به أوقات الصلاة والقبلة ونحوها، فإنه لا بأس به.
· وما يضر وينقع كالمنطق، فإنه ينفع من حيث إصلاحه للمعاني، ويضر من حيث هو مدخل للفلسفة.
· ما لا يضر ولا ينفع كالأنساب.
ويضيف الغزالي إلى هذا التقسيم قائلا:" والعلوم بالإضافة إلى الفرض الذي نحن بصدده، تنقسم إلى شرعية وغير شرعية، وأعني بالشرعية ما أستفيد من الأنبياء، صلوات الله عليهم وسلامه، ولا يرشد العقل إليه، مثل الحساب، ولا التجربة مثل الطب، ولا السماع مثل اللغة، فالعلوم التي ليست بشرعية، تنقسم إلى ما هو محمود وإلى هو مذموم، وإلى هو مباح، فالمحمود ما يرتبط به مصالح أمور الدنيا، كالطب والحساب، ذالك ينقسم إلى ما هو فرض كفاية، وإلى ما هو فضيلة.
أما فرض الكفاية فهو كل علم لا يستغنى عنه في قوام أور الدنيا كالطب، إذ هو ضروري في حاجة بقاء الأبدان، وكالحساب، فإنه ضروري في المعاملات وقسمة الوصايا والمواريث وغيرهما، وهذه العلوم التي لو خلا البلد عمن يقوم بها، حرج أهل البلد، ويسقط الفرض بقيام البعض. وأما ما يعد فضيلة فتعمق في دقائق الحساب وحقائق الطب وغير ذالك....وأما المذموم، فعلم السحر والطلسمات، وعلم الشعوذة والتلبيسات، وأما المباح منه، فالعلم بالأشعار التي التي لا سخف فيها، وتواريخ الأخبار، وما يجري مجراه.
§ أما العلوم الشرعية، فهي محمودة كلها ولها أصول وفروع، ومقدمات ومتممات.
· الأصول" وهي كتاب الله عز وجل، وسنة رسوله عليه السلام، وإجماع الأمة، وآثار الصحابة، والإجماع أصل من حيث إنه يدل على السنة، كذا الأثر يدل على السنة لأن الصحابة أدركوا بقرائن الأحوال ما غاب عن غيرهم، لذا رأى العلماء الاقتداء بهم التمسك بآرائهم.
· الفروع: وهو ما فهم من هذه الأصول، لا بموجب ألفاظها، بل بمعان تنبه لها العقول، فاتسع بسببها الفهم، حتى فهم من اللفظ الملفوظ به غيره، ما فهم من قوله عليه السلام:" لا يقضي القاضي وهو غضبان"، أنه لا يقضي إذا كان حانقا أو جائعا أو متألما بمرض. وهذا على ضربين أحدهما يتعلق بمصالح الدنيا، وتشمله كتب الفقه، والمتكفل بع الفقهاء وهم علماء الدنيا. والثاني ما يتعلق بمصالح الآخرة، وهو علم أحوال القلب، وأخلاقه المحمودة والمذمومة، ما هو مرضي عند الله تعالى وما هو مكروه ألخ
· الثالث: المقدمات، وهي التي تجري مجرى الآلات، كعلم اللغة والنحو، لن بهما يفهم الكتاب والسنة، إذ الشريعة جاءت بلغة العرب، فلا بد من تعلم تلك اللغة. ومن الآلات علم الخط، إلا أن ذالك ليس ضروريا.
· الرابع: المتممات: كتعلم القرءات وخارج الحروف، والتفسير ومعرفة الناسخ والمنسوخ، والعام والخاص، والنص والظاهر، وغير ذالك، وهو المسمى بأصول الفقه، وفي الآثار والأخبار، فالعلم بالرجال وأسمائهم وأنسابهم، أسماء الصحابة وصفاتهم، والعلم بالعدالة في الرواة والعلم بأحوالهم، وهو علم الجرح والتعديل.
هذه هي العلوم الشرعية، كلها محمودة، بل كلها من فروض الكفاية. ويبسط الشيخ أبو علي الحسن اليوسي القول في تقسيم العلوم من حيث هي، إما قديمة وإما حادثة، وإن شئت قلت، إما فلسفية وإما ملية، وإما قديمة وإما إسلامية، وهذا التقسيم أضبط، لأن من القديم ما ليس بفلسفي كعلوم العرب، غير أن هذه لم تكن علوما مهمة، وصح أن نقتصر القول بالتقسيم إلى علوم فلسفية، وإسلامية. وما سوى ذالك يذكر تبعا، فنقول: أما الفلسفية فمنها مقبول في الملة، ومنها مردود، والمقبول منه مأخوذ ومتروك.
أما ابن خلدون، فإنه نهج في التقسيم نهجا لطيفا، وإن كان ما قاله يخالف كثيرا ما أسلفنا"
العلوم التي يخوض فيها البشر ويتداولونها في الأمصار صنفين:
· صنف طبيعي للإنسان يهتدي إليه بفكره، وهي العلوم الحكمية الفلسفية
· وصنف نقلي يأخذه عمن وضعه.
وأصل العلوم النقلية الشرعيات من الكتاب والسنة التي هي مشروعة لنا من الله ورسوله، وما يتعلق بها من علوم الحديث والتفسير والفقه وأصول الفقه، الجدل والخلاف، وعلم الكلام والعقائد والتصوف وتعبير الرؤيا. وأما العلوم العقلية، وهي طبيعية للإنسان، من حيث إنه ذو فكر، فهي غير مختصة بملة، بل يوجد النظر فيها لأهل الملل كلهم، وهي موجودة في النوع الإنساني منذ كان عمران الخليقة، وتسمى هذه العلوم علوم الفلسفة والحكمة، وهي مشتملة على المنطق والعلم الطبيعي العلم الإلاهي وعلوم السحر والطلسمات وعلم أسرار الحروف، وعلم الكمياء.
و جملة القول إن علماءنا لم يتركوا علما من العلوم ولا فنا من الفنون التي تداولها غيرهم إلا وأفاضوا [القول] فيها، فمنذ القرن الثاني الذي ابتدأ فيه التدوين والعلماء يصنفون المؤلفات والدواوين في العلوم المختلفة، من تفسير وحديث وفقه وأصول ونحو ولغة ومعاني وبيان وتاريخ والسير وأنواع العلوم الأدبية، والعلوم العقلية أو الفلسفية فمنذ أو ولع بالخلفاء بشأنها ، صرفوا الجهد لاقتنائها وترجمتها إلى العربية، وكان أول من اعتنى بالترجمة في الإسلام خالد بن يزيد بن معاوية الأموي، إذ أمر جماعة من الفلاسفة اليونان النازلين بمصر العارفين بالعربية بنقل الكتب من اليونانية والقبطية والسريانية إلى العربية، وقيل أن هذا أول نقل كان في الإسلام من لغة إلى لغة، ثم بعده المنصور العباسي، وبعده المأمون ابن هارون الرشيد، الذي وجه علماء الأمة نحو بلاد الروم، ليسترفدوا من علومهم، فنبغ بفض هذه الجهود، وذالك الاحتكاك بالآخر فلاسفة في حجم أبي يوسف الكندي، والفارابي لذي فسر كتب طاليس، وأبي يحيى المروزي، وابن سينا والسجستاني وغيرهم.
أما في لأندلس فقد برز العباس بن الفرناس وهو أول من استنبط صناعة الزجاج من الحجارة، وفكر في الطيران، وابن الصفار والزهراوي في الطب وعلم التشريح.. وهذه العلوم، وإن كان لها حظ عظيم عن الخاصة بالأندلس، فإن العامة يتهيبونها، فإنه إذا قيل فلان يقرأ الفلسفة، أطلقوا عليه اسم زنديق، وإن زل رجم وأحرقت كتبه وربما صلب. ومرد هذا الموقف من الفلسفة هو الخوف من أن تؤثر في عقيدة التوحيد، لذا نجد الفيلسوف الأندلسي ابن رشد يدافع عنها بكونها- أي الفلسفة- غايتها الدلالة على وجود الصانع، وهو الله.
ومجمل القول إن الفكر الإسلامي المتمثل في القرآن الكريم، لا يمنع علما من العلوم ولا صناعة من الصنائع، إن لم تكن هناك مفسدة دينية أو دنيوية، وفي هذا رد على الطاعنين على الشريعة بأنها تنفر من العلوم النافعة في الدنيا التي تسمى العلوم العصرية، وجهل الناقدين للقرآن، أن يكون فيه ذكر للعلوم إلا علم الدين، وهذا غاية الجهل. ولاكن الفكر الإسلامي مبني على اعتبار النتائج والثمرات، ونشأه جلب المنفعة ودفع الضرر.