أولا: ضرورة التفلسف، ضرورة التمدن.
إذا كان من الممكن عدم الإساءة إلى الإدارة -ممثلة في هذه الحالة في وزارة الشباب- شباب الفكر وشباب المدينة- لأنها وثقت فيّ فكلفتني بإلقاء هذه المحاضرة، فلعلي أقول إني لست متفقا معها في تصورها لشعار الجامعة الشعبية: "المعرفة من أجل المعرفة". إن ملاحظتي التالية المتعلقة بالشعار الـّذي وضعته للجامعة الشعبية، هو بمثابة المدخل النقدي لتعامل صحي ومفيد ومثمر معكم، ومن ثم مع أية محاولة للتفكير في مدينتنا. إن هذا الشعار شعار أفلاطوني اعتقد فيه الشيخ اليوناني بعد أن ضمن المدينة الديموقراطية في أثينا، أما نحن في تطاون فلا. ولهذا فغرضنا هو إقامة هذه المدينة على تقوى من الحرية والكرامة والسعادة والتقدم. ومن ثم فشعارنا هو المعرفة من أجل التمدن، لا المعرفة من أجل المعرفة. وسأقول لكم لماذا نحتاج إلى التمدن لاحقا. إنما اعذروني إذا ذكرت لكم أنكم على الرغم مما يخيل إليكم أنكم جئتم لتلقي المعرفة من أجل المعرفة، فأنتم لم تأتوا إلى هنا في الجامعة الشعبية إلا لتتداووا بالمعرفة من أجل آفة معينة، بعد أن استعصت عليكم "الجامعة الرسمية". أليس يسعى الرجل الفقير منا إلى التداوي بالأعشاب الشعبية بعد أن يفقد الثقة في الصيدلي العالم، أو يفتقر إلى المال لتحصيل الدواء الـّذي يصفه له الطبيب؟ كأني بكم هاهنا في "الصيدلية الشعبية" تتداووا بأعشاب لا تجدوها في "الصيدلية الرسمية"، كصيدلية "مرتين" أو "المحنش". لكن ما هي الآفات الـّتي يشكو منها أغلبكم؟ الجهل فقط؟ هذا جواب قاس ولو أنه لا يعيب صاحبه أن يعترف به، إنما يعيبه أن يجمد عليه، ولا يسعى إلى تغييره بالعلم. استكمال التكوين؟ هذا الجواب ديبلوماسي جدا، ويحافظ لديكم على كبرياء المتعلم فيكم. أنا أتصور أنكم جئتم- وجئنا معكم- لكي نتداوى من آفة التخلف، ونكتسب مناعة ضد شروره. فأرجو أن أكون المداوي الماهر لآفتكم، والمتداوي الأول منها. وهنا أقول لكم كما يقول المثل لدينا في تطاون:" إذا حبيت تقرا تغرب، وإذا حبيت تجرب قرب" ( وبالعربية الفصيحة: إذا أحببت أن تدرس فتغرب، وإذا أحببت أن تجرب فاقترب)، فما لدينا إلا التجربة المستخلصة من رحيق التأمل. أليس يقال "سال المجرب لا تسال الطبيب"، وإن كان يقال أيضا "سال المجرب ولا تنساشي الطبيب"؟ إذن اصبروا علي قليلا لكي أخبركم عن ملامح هذا التخلف -الـّذي جئتم تتداووا منه في مدينتكم- حتـّى أقول كلمة عن "الجامعة الشعبية".
أتخيل أني وسط الشعب، والشعب تعود على الخطابة، وأنا لا أريد أن أخطب فيكم، بل أريد أن أدعوكم للتفكير عبر دعوتي إياكم للتفلسف، ومن ثم سعيي معكم للتمدن. ودعوني أذكر لكم أن العامة الـّذي يتكون منها الشعب لدى القدامى هي لأمرين: إما إطفاء الحريق أو إنقاذ الغريق. أي الأمرين تودون أن ننهض بهما؟ إطفاء الحريق؟ هناك ما يكفي من الحرائق في مدينتنا، وهناك ما يكفي من "الحراقيات" فيها. إنقاذ الغريق؟ هناك العديد من الغرقى ولا من ينقذهم. إذن ولو بخس القدامى حق العامة وجعلوها لا تقوم إلا بهاتين المهمتين، فهي لدينا رتبة شريفة، ومن ثم فإن منزلة العامة لدينا أشرف، وما أحرانا لو قمنا بما تقوم به العامة في الجامعة الشعبية: إطفاء الحريق و إنقاذ الغريق. قد تتساءلون أي غريق وأي حريق هذا؟ والجواب لا أمكنكم منه الآن، ولكن أنتم من ستنتبهون إليه لما تدركوا كم عدد "الحراقيات" في مدينتنا مستعدة للانفجار إذا لم نعمل على تداركها بالحكمة والتعقل، وكم من "المستنقعات" الـّتي سنغرق فيها إذا لم نتدبر أمر صمام الأمان لتفاديها.
والحمد لله أنها جامعة وليست مفرقة؛ فالجماعة أقدر من الفرد على إنقاذ الغريق وإطفاء الحريق. والحمد لله أنها شعبية غير رسمية؛ فقيود الرسمي تثقل الجبال، فبالأحرى الأفراد. ونحن نعشق الحرية لذلك نحن مع الشعب في "الجامعة الشعبية".
نقول "الشعبية" ولا نقول "السوقية"، لأننا لا "نتهاود" بل نفكر ونتأمل لكي نتفلسف ونتمدن. خاصة ونحن في قاعة "الزرقطوني"، الرجل الشعبي الـّذي تجاوز ذكورته إلى رجولته، فعبر عن قيم المسؤولية والمروءة والشهامة والتضحية، وأراد أن يكتب شعبيته بالفاس، لا بالقرطاس وسط صمت الساسة من "الأعيان".
ومع ذلك فليس الشعب كله عامة، الشعب أيضا فيه الخاصة. ألم يكن سقراط يحاور الشعب وفيهم -كما فيكم- رجال القضاء والشعراء والأدباء إلى جانب الصناع والحرفيين؟ لذلك سأضمن أنكم ستفهمونها "طايرة" لما أقولها بالمجاز، وستدركونها طرية لما سأقولها بالحقيقة. وشرطي لكم أن تتسامحوا معي وتثقوا في أعشابي وتوابلي فلن أعطيكم إلا "راس الحانوت"، ولن تحتاجوا إلا قليلا من "جاوي" التفكير والتأمل يكفيكم أن تبخروا به تطاون كلها تأملا وتفلسفا وتمدنا. هذا شرطي وأقول لكم " الشرط في الفدان ولا الخصومة في النوادر". وقبل هذا وذاك علي أن أتساءل معكم جملة أسئلة أراها ضرورية قبل الخوض في موضوعنا ومنها: "لم الفلسفة؟" و لم المدينة؟ وما هي الفلسفة وما هي المدينة؟ وما العلاقة بينهما؟ ما الداعي إلى الفلسفة، ومن ثم إلى التفلسف؟ وما الداعي إلى المدينة، ومن ثم إلى التمدن؟
- لم الفلسفة؟
الجواب بسيط ومعقد في نفس الوقت: (ولو أنا سنضرب بعرض الحائط بإحدى شروط التفكير المنطقي كما أسس لها الشيخ اليوناني أرسطوطاليس ونقصد بذلك مبدأ عدم التناقض) بسيط من حيث أن الفلسفة ضرورية، ومعقد من حيث تحديد طبيعة الفلسفة الـّتي نقتضي ضرورتها. فمن حيث بساطته، إن الفلسفة ضرورية لأنه في غياب التفكير لا نقتدر على التدبير بأي حال من الأحوال. ليس هناك تدبير خال من التفكير مهما كانت سفاهة التفكير الـّذي أنتجه. ضرورة الفلسفة آتية من ضرورة العقل، والعقل مرتبط بالحرية وبالإرادة وبالمسؤولية، وإلا فالأمر كله محض عماء وفوضى و"كاوس" مطلق. نحن نحتاج إلى الفلسفة لأنا نحتاج إلى العقل حتـّى ننتظم في مشروع، وننخرط في قيم، ونحافظ على توازنات، ونبني السلام، وننشئ الاجتماع، ونؤسس المدينة. تخيلوا مدينة بلا عقل كيف تكون؟ لا بد أنها ستكون مثل الجحيم؛ لأن الرغبة هي الـّتي ستبسط عليها سلطتها، ومن ثم فالحرب هو مصيرها لا محالة. وإذن لن نكون بصدد مدينة بقدر ما سنكون بصدد خراب. ضرورة الفلسفة إذن من ضرورة المدينة، ومن ثم فضرورة التفلسف من ضرورة التمدن. هل في وسع أحد منا بعد أن استعذب حلاوة المدينة أن يعود فيعيش في مرارة الخراب؟ هل منا من إذا استعذب حلاوة التمدن أن يعود القهقرى إلى التبدد؟ ثم إن السبيل إلى السعادة لا يأتي إلا من انتهاج طريق التفلسف كما كان يعتقد القدامى من الحكماء ونحن على طريقهم.
هذا من حيث بساطة الجواب، لننظر الآن إلى الجانب الـّذي قلنا إنه معقد بعض الشئ، ونقصد بذلك أن طبيعة الفلسفة الـّتي نسعى إلى الدعوة لها. لا شك أن الفلسفة المقصودة هاهنا هي الفلسفة المرتبطة بالمدينة، من حيث هي فضاء عيشها ومرتع نمائها. لا فلسفة بلا مدينة، ولا مدينة بلا فلسفة. الفلسفة المراد اصطناعها هاهنا هي الفلسفة الداعية إلى تمدن المدينة، ونماء الإنسان فيها وارتقاؤه إلى أسمى درجات الإنسانية بعد أن كاد يعدم إنسانيته داخل "فلسفة البطون"(تأملوا معي هذه الكلمة بدون شكل: قد تعني البطون جمع بطن، وقد تعني بطون أي الإسمنت المسلح وفي كلتا الحالتين تفيد معنى التشيؤ والمادية وغياب الإنسان عن إنسانيته) والحال أن الفلسفة الموجودة-وهي حقا موجودة باعتبارها فلسفة عادمة للمدينة وقاتلة لها ومبددة لها- هي فلسفة التبدد. إنها الفلسفة الإرهابية التي ترهب سلام المدينة، وتتربص بإنسانية إنسان المدينة، أي الفلسفة الـّتي تفسد الإنسان وتخرب العمران. انظروا إلى الخراب الـّذي حل بالإنسان والعمران في مدينتنا: العنف المادي والمعنوي الـّذي يمارس على الإنسان يوميا، عنف البترينات وعنف السيارات وعنف الفضائيات وعنف الرغبات وعنف الحاجات...تضاف إليه مظاهر التبدد الباذخة. أي إنسان بعد هذا سنطلب "تنميته" و "تكريمه" و "تعليمه" و "تطبيبه"؟ جثـّة هامدة تسير إلى حتفها في دورة عبثية من التعب والكدح والرغبة والكبت والإحباط والتسامي.... واصبروا علي قليلا؛ فستتوضح لنا أكثر ضرورات الفلسفة، ومن ثم ضرورات التفلسف لما نأتي على الحديث عن الداعي إليهما. ونستطيع القول منذ البداية، إن الداعي إليهما هو غياب التفكير السليم في المدينة، والتمدن السليم وفق الفلسفة. ونزيد فنقول: إن الأمر يتعلق بقضية من الواجب الدعوة لها، ومن ثم من الواجب نصرتها، وهي قضية التفلسف وقضية التمدن.
2. ما هي الفلسفة الـّتي نتغياها؟
أ- ليس غرضنا استعراض تعاريف للفلسفة -مما يمكن الوقوف عليه في أي كتاب مدرسي لتدريس أم العلوم- بل إن غرضنا هو تقديم تعريف للفلسفة ينسجم وما نحن بصدده من دعوة إلى تفكير سديد من أجل تدبير رشيد. ولكنا لن نفوت الفرصة على أنفسنا ونحن في حضرة "الشعب"، أن نناقش قليلا صورة "شعبية" عن الفلسفة كثر لغطها، برغم غياب أسبابها، وموت دواعيها، وضعف حججها، وتهافت مصادراتها، فنطمع في القضاء عليها، أو على الأقل دفع أصحابها إلى إعادة النظر فيها على ضوء العناصر التفكيرية الـّتي نقدمها لهم:
ب- أولى تلك الصور ما يتعلق منها بتسمية الفلسفة "تفليسة" و "التفلسف" "تفلسا" لما يشقق بعض العامة- وبعض الخاصة أيضا- من هذا اللفظ الدال على الإفلاس في الفصحى ما يخدم دعاويهم في إرهاب من يرونه مختارا لسبيل الفلسفة أو التفكير عموما. ولما كان لفظ "التفليسة" من الألفاظ الدارجة الدالة على ما هو مستهجن لدينا أخلاقيا واجتماعيا، بتنا نرى من ينفر من الفلسفة ومن أهلها بسبب "تفليستهم"، وخشية أن يفلس من يصاحبهم؛ كأن التفليسة لا باب لها إلا الفلسفة، وليس النفاق الاجتماعي، أو الجهل أو الأمية أو الكذب أو اللامبالاة... وسائر الأمراض الاجتماعية الـّتي تشكو منها مدينتنا عموما.
ت- وقد تجد من يشنع على أهل الفلسفة فيغمزهم من وراء ألفاظ مثل "التفلس" أو "التفلسف" ويقصدون به "طلب الفلس" أو المال لعبا بالألفاظ، أو وصفا لحال بعض أهل الفلسفة أو المنتسبين إليها عن باطل، ممن يعرف عنهم شغفهم بالمال، وطلبه عبر سبل التملق والتزلف وما يشين من أفعال وسلوكات.
ث-ثاني تلك الصور، أن العامة، ومعهم كثير من الخاصة، وخاصة الخاصة لدينا، إذا سئموا شخصا رأوا منه إلحاحا في طلب حقه، أو إبداء رأيه، أو سعيه إلى إبداع اختيار شخصي، أو لمجرد أنه يخالفهم الرأي، أو اتبع سبيل التمثيل أو التجريد، قالوا عنه بأنه "يتفلسف"؛ وهذا وحده كاف لكي يجعله سخرية في نظر الناس أجمعين. والظاهر أن الناس تعودوا على التفريط في الحق، أو السكوت عنه، أو عدم إبداء الرأي، أو عدم القدرة على إبدائه، أو أنهم جمدوا على التقليد، أو ألفوا أن يقال لهم "نعم أسيدي" دون مناقشة، أو تعودوا السطحية في الكلام والسلوك. لقد تعودوا ذلك كله، فإذا لقوا من يسلك سبيل ما قلناه سخروا منه أشد السخرية. (وقد حدث مرة أن تلفزة الرباط أذاعت وصلة إشهارية بهذا المعنى كرست به، وهي جهاز تربوي على أية حال، ذلك المعنى البئيس عن الفلسفة وأهلها).
ج- ثالث تلك الصور، أنه وقع في ظن كثير من الناس، وخاصة الطلاب والتلاميذ الذين من المفروض أنهم خلو من هذه الأحكام القبلية، أن أهل الفلسفة "ملاحدة" وزنادقة" وحديثا "كفرة" (بعد أن ابتلينا بأحكام غير متحضرة تماما مثل "التكفير" و "التخوين"). وإذا كان حدث أن بعض المذاهب الفلسفية صريحة في إبداء لاأدريتها أمام مسألة الألوهية، أو واضحة في رفضها لسلطة الكهنوت، أو مستقلة في اعتمادها على مصدر ثان في تحصيل الحقيقة غير المصدر الديني، فإن الناس عمموا-في عملية فلسفية وعلمية بامتياز- على الفلسفة رأيا مفردا فيها، ونظروا إليها على أنها محض إلحاد، وغاب عنهم أن في الفلسفة مذاهب تدافع بالبرهان عن الألوهية، وتحتج بالعقل على ضرورة الدين، وتصطنع البرهان لبيان الحاجة إلى الخلاص الروحي.
وفي رأي بعض الناس أن أهل الفلسفة إذا كانوا ملاحدة، فهم بالضرورة "زنادقة" أي أشخاصا منحلين أخلاقيا. والحال أن الزندقة تعني إنكار النبوة فحسب دون الألوهية؛ فقد تجد المشتغل بالفلسفة مؤمنا بالله منكرا النبوات؛ اعتبارا لاعتقاده أن العقل قادر على الاتصال الفعال والمباشر بالله بلا وساطات. أما أن يكون منحل أخلاقيا، فهذا ليس صحيحا إلا في حالات تتعلق بالشخص ذاته وبسياقه الاجتماعي والتربوي، وليس لأنه يشتغل بالفلسفة. وعلى أية حال، فهذا بعيد الحصول لدى من يشتغل حقا بالفلسفة، باعتبارها قضية أخلاقية أساسا، لا مهنة أو حرفة يتقاضى عنها مقابلا آخر الشهر. هذا يسمى موظفا وليس فيلسوفا، أو متفلسفا، أو مشتغلا بالفلسفة.
وأما مسألة كون الفيلسوف "كافر"، فهذه أحكام تقتضي كثيرا من التدقيق إذا صحت؛ لأن الفيلسوف قد يشكك في مسألة الكفر ذاتها لا بالمكفور به، وقد يشكك في شرعية المكفر أيضا. فمن قال عن الفيلسوف كافر والرجل يؤمن بمجموعة من الحقائق، أو على الأقل يؤمن بوجودها في مكان ما، ولكنه لم يصل إليها بعقله بعد. الإيمان موجود قد يكون بالعقل أو بالإنسان ذاته أو بقضية ما. بقي أن ندقق في مسألة الكفر بالله أو بالدين. أولا قد يرد الفيلسوف أن هذه المسألة غير سليمة من حيث طرحها؛ لأن تصور الألوهية يختلف من فرد إلى فرد، وحتى هذا الـّذي يمكن أن يكفر قد يسقط في حيرة من أمره إذا طلب منه أن يعرف الله لأنه إذا فعل سيمارس الفلسفة، ومن ثم سيسقط في نفس الكفر الـّذي يظن أن محاوره أو مخاطبه أو متهمه قد سقط فيه. وثانيا لأن الدين أديان؛ فقد تكون الفلسفة دين قبلتها التفكير وإلهها العقل. وقد رأينا كيف أن العقل صار "صنما" في القرن الثامن عشر حتـّى سمي ذلك القرن بـ"عصر الأنوار"، كل شئ فيه قابل للعقلنة وكل شئ فيه معقول كما علمنا هيجل. وثالثا لأن الدين الـّذي نفترض أن الفيلسوف يعتقد فيه هو دين التحرر لا دين التبعية، أو دين التفكير لا دين التقليد، أو دين المعارضة لا دين السلطة، "صرخة المضطهدين" لا "أفيون الشعوب" كما علمنا ماركس.
كل هذه الاعتراضات سقناها لكي نبين كم هي متهافتة بعض الأحكام الـّتي تصدرها العامة حول الفلسفة. كما سقناها لكي ننبه إلى صورة سيئة عن الفلسفة وأهلها في مدينتنا. ولنلاحظ أن من يصدر هذه الأحكام فئة أمية لا علم لها بالفلسفة إلا بالسماع، فكيف تحكم على شئ لا تعرفه، ومن ثم نثق في أحكامها على الفلسفة وأهلها.
ح- كما أن بعض العامة تعتقد أن المشتغلين بالفلسفة "مجانين" و"حمقى"، وأن سبب حمقهم هو الفلسفة. وتكفي الإشارة إلى أن من نعدهم مجانين وحمقى يرددون دائما أنهم عقلاء والآخرون حمقى. ويبدو أن الفقهاء أيضا تعرضوا في وقت ما إلى نفس التهمة؛ فقد أدركنا أناسا من الفقهاء جنوا بسبب "الحمزية" في نظر بعض الناس، ولسنا نفهم ما تكون هذه الحمزية إلا كتابا في التفسير أو في الفقه أو في أصوله لأحد الفقهاء أو المتكلمين. لا تستطيع العامة إدراك أن الحمق إذا حدث فعلا قد يكون بأسباب نفسية أو اجتماعية؛ لأنها تنظر إلى المشتغل بالفلسفة كما لو أنه معلق في السلة مثل سقراط كما صوره ساخرا أرسطوفان اليوناني في "مسرحية السحب"، ويغيب عنها أنه مثله، مثل أي فرد في المجتمع، قد يتعرض لاضطرابات نفسية وأزمات عصبية؛ لاسيما إذا كان يدرّس الفلسفة بأجر ضئيل، وساعات مضغوطة، وأقسام تتجاوز الخمسة أقسام في حجرة ضيقة عدد تلامذتها يتجاوز الأربعين، أو في كلية سوق الكتابة المدرسية في الفلسفة كاسد بالنظر إلى المطبوعات المدرسية في القانون أو التاريخ الـّتي يفرضها أصحابها بالإكراه على الطلبة. والحال أن ما يحسبه الناس حمقا قد يكون عين العقل؛ لأن الفيلسوف يقول رأيه والناس لا، الفيلسوف يبحث عن الحقيقة، والناس لا، الفيلسوف يعمل بما يفكر والناس لا، الفيلسوف يصدق والناس تكذب، الفيلسوف صريح والناس منافقون... ثم كيف يمكن أن تكون الفلسفة مؤدية إلى الحمق وهي كلها علم وعقل؛ اللهم إلا إذا فرضنا أن الفيلسوف وصل إلى أقصى درجات التعقل مما يصير معه عرضة للجنون في نظر الناس.(مثال المصور الهولندي "فان خوخ" الـّذي قطع أذنيه وقدمها هدية إلى حبيبته؛ فإن صدقت الحكاية يكون الرجل هو العاقل الأكبر، لأنه استطاع أن يؤكد كم محبته عظيمة لحبيبته، أو لعله إذا كان مجنونا قد يعبر بذلك عن نوع جميل وغير معتاد في الحب وهو المقترن بالتضحية وبالعطاء حتـّى في أخص خصوصيات الإنسان وهي أذنه الـّتي يسمع بها صخب العالم ) ألا يكون ذلك الجنون هو عين العقل أو هو مرتبة فاقت العقل نفسه؟
والناس قد تظلم الفيلسوف حين تتهمه بالجنون لأنه في الواقع لم يخرق مبدأ منطقيا، بل خرق سلوكا متفقا عليه، أو خرق ميثاقا، وبالأحرى يكون اتهامه بالخيانة وليس بالجنون أقرب إلى منطق الأمور. كثيرا ما تتهم العامة بعضها البعض بعدم التفكير أو بالجنون، مع أن الأمر في عمقه محض اختراق لعوائد سلوكية وتقاليد اجتماعية، وليس اختراقا لقواعد منطقية.
وكم هو بؤس العامة الذي يستدعي كثيرا من الشفقة حين تتهم الفيلسوف بأنه مجنون أو كافر أو ملحد، ثم ترسل فلذات أكبادها لكي يدرسوا على يديه علوم الإلحاد وفنون الكفر وأساليب الجنون. فهم يفعلون ذلك إما خوفا من بطش الدولة؛ لأن المدرسة تابعة لحكمها، أو لأنهم غافلون أن فلذاتهم يدرسون مادة اسمها الفلسفة، أو لاعتقادهم أنهم يدرسون الفكر الإسلامي فيقع في ظنهم أن أولادهم لا بد أن يحدث لهم توازن مفترض بين الإيمان والكفر، أو تغلب متوقع للإيمان على الكفر.
خ- ثم هناك صورة أخرى تسيئ إلى الفيلسوف أيضا أو أستاذ الفلسفة عموما، وهي وصفه بأنه رجل متسخ -بالحقيقة لا بالمجاز- والحال أن هذا من غير المعقول في الفلسفة؛ لأنها تعي أن الأوساخ صحيا نوع من الخلل الـّذي يصيب الجسد بالأورام والأمراض أو بـ"الحكة". النظافة مبدأ عقلي قبل أن يكون سلوكا اجتماعيا. إنه إحدى السبل الـّتي يسلكها المرء لكي يحافظ بها على كرامته الإنسانية، ومن ثم يكرم بها جسده كما يأمره به عقله. النظافة مرتبطة بالكرامة وهذا درس فلسفي أخلاقي بامتياز. وجد بعض المشتغلين بالفلسفة يمتلكون "ثقافة الأوساخ" واعتبروا في ماضيهم الطلابي أن الأوساخ قيمة نضالية، أو لأنهم على قطيعة دائمة مع الحمام حتـّى وهم في محيطهم الاجتماعي، ولا ثقافة لـ"الدوشة" لديهم، فدأبوا على أن يكونوا وسخين في مظهرهم، وأرجع العامة الأمر إلى الفلسفة، حين رأوهم على حالهم، والفلسفة من أوساخهم بريئة.
يجب أن نقول إن جزءا من هذه الصورة راجع إلى تاريخ من الصراع بين اختيار سياسي أراد للعقل أن يحكم البلاد، وبين اختيار سياسي أراد أن تحكمه "الأهواء" فكان أن دس الثاني للأول، وأشاع عنه ما مرّ بنا من تهم وأوصاف وصور. إنها "امبراطورية الكذب" كما سماها مرة الفيلسوف الإسباني "خوسي اورتيغا إي غاسيت"، ولو أن الصراع بين الفلسفة والناقمين عليها صراع قديم بدأ منذ أن استعدى أحد الدباغين السلطة على سقراط فحكمت عليه بالموت، أو منذ أن أصدر الفقيه الشهرزوري فتواه الشهيرة بتحريم الاشتغال بالمنطق قائلا "كل من تمنطق تزندق"، أو لما دس على السلطان الموحدي من يغريه بأبي الوليد بن رشد فنفاه إلى قرية "أليسانة".
أما الآن فالصراع له وجه آخر، ولسبب ما بدأ تقريب أهل الفلسفة، وتوسعة حصص تدريسها، ودعوة معلميها إلى إعطاء دروس في "التسامح"، و"حقوق الإنسان"، و"التربية على المواطنة". هل يتعلق الأمر بحصان طروادة لتصفية حساب من الحسابات الجديدة في الصراع بين الأهواء والعقل؟ ومع ذلك فما تزال هناك راسخة تلك الصورة السلبية الـّتي تم تشكيلها حول رجل الفلسفة حتـّى باتت تطارده كاللعنة.
لا يمكننا إذن الحديث عن ضرورة التفلسف وضرورة التمدن وهذه الصورة السلبية عالقة في أذهاننا. سيكون من عدم المروءة أن ندرس الفلسفة ونحن نتهم أصحابها بتهم ليس لدينا عنها سوى قليل من المقدمات المشهورة، والحجج المتهافتة والضعيفة. بل سيكون من عدم الشهامة الاستماع إلى أهل الفلسفة ونحن نتهمهم في دينهم وأخلاقهم، ونستفظع ما يمكن أن يكونوا عليه من عقيدة وطنية أو دينية أو اجتماعية تخالف ما لدينا. ينبغي أن نتخلى عن تلك الصورة السلبية، وندرك أن التفلسف هو الممارسة الحقيقية للمواطنة (ولو أن هذا موضوع آخر لنا فيه نظر) فلنقدم ما نراه تصورنا للفلسفة في هذا المقام مفهومة في ارتباطها بالمدينة. فما هي الفلسفة عندنا؟
الفلسفة عندنا هي "التفكير في المكان من أجل إسعاد الإنسان" .قد يبدو للبعض أن هذا التعريف مشحون بالميتافيزيقا بقدر عظيم من التجريد. قد يكون الأمر كذلك، ولا غرابة إذا علمنا أن معظم أعمالنا، من عظيمها إلى صغيرها، إنما تحتل في عمق الميتافيزيقا مكانة راسخة. ولا يضيرنا هذا ما دام في وسعنا العيش واقعيا بقدر كبير من الميتافيزيقا. ألسنا كائنات ميتافيزيقية نعيش المستقبل، والمستقبل هو الكينونة الميتافيزيقية بامتياز؟ لكن ما يمد تعريفنا بقدر قليل من الواقعية هو المسافة الـّتي تمتد من التفكير إلى السعادة، أو تمتد من المهمة إلى الغاية. إن الفلسفة عندنا هي تفكير في المكان، ولكن أيضا تدبير له في الزمان، ومن ثم طلب إسعاده فيهما معا. ولكي تتحقق هذه الغاية، لا بد من وسائل علمية ومادية بها يتم التوسل إلى إسعاد الإنسان: أن نهيئ له مكانا كريما. وما المكان الكريم الـّذي يمكن للمرء أن يهيئه للإنسان إن لم يكن بيتا ملائما لكرامته، وعملا معيلا لعائلته، وخدمات مواتية لضرائبه، وترفيها مناسبا لمجهوده، وفضاء جميلا مناسبا لتمتعه؟ إنا إذا فهمنا المكان بهذا المعنى، باعتباره المدينة الـّتي يعيش فيها الإنسان، سنكون أمام مشروع فلسفة مدنية تفكر في المكان من أجل الإنسان، أو فلسفة عملية تسعى لإسعاد الإنسان: تنميته، تعليمه، تطبيبه، تجميله، تكريمه... أو بكلمة واحدة إسعاده. لقد حازت هذه الكلمة -السعادة- حيزا كبيرا في الأدبيات السياسية في الشمال لدى الحركة الوطنية لما كان لسياسيينا الوعي الكلي، أما الآن فالأمور تغيرت، وصارت اللفظة ساكنة في غرف التفكير الفلسفي، ولم تبرحها إلى ميادين التدبير العملي. بتنا نكتفي بالديموقراطية أو التقدم أو الحرية، ولم نعد نناقش لم نحتاج كل هذه الأشياء؟ أليس لكي نكون سعداء؟ أو قصرت بنا الهمم حتـّى بتنا لا نطلب المعالي، ونطلب الوسائل دون الغايات؟ إن الفلسفة الـّتي تفكر في المكان من أجل إسعاد الإنسان، لا تنسى الإنسان من تفكيرها، فهي لا تسعى إلى تهيئة السعادة له في المكان قبل أن تجعله سعيدا هو في ذاته، في عقله، وفي قيمه، وفي سلوكاته. إن غايتها هي أن تجعل من كيمياء الإنسان منسجما مع فيزياء المكان في ارتباط قوي لا تنحل عراه. والمقصود بذلك أن تهيء هذه الفلسفة الإنسان الـّذي يعيش في المكان، ويفكر في المكان، ويتدبر أمره في الزمان حتـّى يحقق ما يسعى إليه ولا يعرفه: السعادة. هنا لا بد من التفكير في النموذج المراد تقديمه له، أو على الأقل تحفيزه على إبداع نجمته القطبية لكي يسير على هديها في مغامرته الجوهرية نحو التمدن ونحو السعادة. هذه هي الفلسفة الـّتي ترتبط إذن بالمكان، وبالمدينة وبالزمان، وهي الفلسفة الـّتي نسعى من ورائها إلى التمدن. ليست هناك من ضرورة للتفلسف إلا من أجل ضرورة التمدن. التفلسف والتمدن كلاهما وسيلة من أجل غاية مشتركة وهي السعادة. لئن كان التفلسف هو الوسيلة الـّتي تسعى إلى غاية التمدن، فإن التمدن هو الوسيلة الـّتي تسعى إلى غاية بعيدة وهي السعادة. ومنذ الآن ينبغي أن نعيد النظر في لفظ كهذا، ونخرجه من "سيبة" الفهم والإدراك وندخله سور "المدينة العتيقة"، لا لكي نعتقله، بل لكي نحرره من فوضى التحديد، وندخله في التاريخ. إذ يكفي أن الفلسفة جعلته بمثابة الخير الأعظم الـّذي لا خير ينال به، ولا كمال يحصل بعده كما هو الأمر عند أبي نصر الفارابي في "كتاب السبيل إلى تحصيل السعادة".
3. لم المدينة؟
ربما كنا نثير هذا السؤال على الرغم من بداهته، لأنه لا يخطر لنا على بال. وربما إن فضيلة التفلسف هي تعليمنا كيف نلتفت إلى الأشياء الـّتي لم يتم الالتفات إليها، مع أنها قريبة منا بكيفية مدهشة. حقا نحن نعيش في المدينة، ولكن هل لدينا وعي مدني؟ هل استطعنا أن نبلور نمطنا في التمادن، أي نمطنا في الانتماء إلى المدينة؟ ربما نحن نعيش في المدينة بعقلية البادية، ولا أقصد بالبادية هاهنا الطبيعة والمكان، بقدر ما أقصد القيم والزمان. ما هي قيم المدينة إذن؟ إننا إذا تعرفنا على قيم المدينة، استطعنا الجواب على سؤال لم المدينة؟ القيم الـتي نقصدها هاهنا هي قيم الإنسان الـّتي ترتقي به إنسانيا، ومن ثم فالمكان لا يمكن أن يعني شيئا مادام الإنسان يحمل معه قيمه ولو في القرية. إنا مطالبون إذن بالعيش في المدينة لكي نحافظ على إنسانيتنا من حيث أن المدينة تهيئ لنا نسبيا وسائل الراحة الـّتي تكفل من جانب آخر كرامة الإنسان فينا. ينبغي أن نتغلب على فكرة "التمارة" (الكدح أو العناء أو بذل المجهود العضلي...) الـّتي ترتبط بعملنا، فنتوجه إلى التفكير في الراحة والرفاهية مرتبطة بالعمل: كيف يمكن الاشتغال بعقلية "الراحة" وليس بعقلية التمارة؛ لا سيما في قرانا الـّتي ما تزال أغلبها خارجة عن التاريخ رغم أنها قريبة من الغرب؟ (مثل حالة بعض القرى في ثلاثاء تغرامت بضواحي تطاون؟) في الغرب الناس يفكرون في العمل ليس لكونه مرتبطا بالكدح، ولكن لكونه مرتبط بالوسائل الـّتي تجعله متعة. في المدينة قد توفر لنا بعض الوسائل الـّتي قد نتغلب فيها على التمارة ونربح الراحة انتصارا لإنسانيتنا فقط. نختار المدينة من حيث هي قيم، لا من حيث هي مكان، ونحن ضد "البادية" من حيث هي زمان أي دعوة إلى التبدد والتأخر في السياسة والأخلاق والسلوكات. لا أعتقد أن أحدا تأمل المغزى العميق لهجرة النبي صلى الله عليه وسلم من القرية، أم القرى، إلى المدينة المنورة، يثرب. الهجرة مليئة بمعاني التقدم: الهجرة تمت من القرية إلى المدينة، من التأخر إلى التقدم، ومن التبدد إلى التمدن. لست أعرف سبب الدعوة إلى التبدد لدى بعض الناس مع أن مستقبل كرامة الإنسان في المدينة وليس في البادية. هناك حديث للرسول يقول فيه ما مفاده "تبددوا واخشوشنوا فإن الحضارة لا تدوم". لست أقطع الآن بصحة هذا الحديث، حتـّى إذا صح فالمقصود به- انطلاقا من حيثيات أخرى في حياة النبي( كالطيب والنساء والصلاة، وهي من أخطر أبعاد الحياة المدنية المعنوية والمادية) هي تذكر الآخرة، والعمل الصالح وعدم نسيان أن الحياة الدنيا فانية، وأنا مستأمنون فيها لكي نعمل صالحا مصداقا للحديث المأثور عن النبي الكريم: "اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا". ليس هذا الحديث إذا صح دعوة إلى التبدد والخشونة، بل هو دعوة إلى القيم الوسطية المعتدلة الـّتي تأخذ من الدنيا بنصيب، وتأخذ من الآخرة بنصيب، ومن ثم تثمر القيم المدنية مثل التسامح والتعاون والحرية...ربما قد يكون الجواب على هذا السؤال البديهي: لم المدينة؟ بالقول لم الإنسان؟ فإذا كان من المستحيل التخلي عن الإنسان، فإنه من المستحيل أيضا التخلي عن المدينة باعتبارها تقدما إلى الأمام، وليس تراجعا إلى الخلف. إذا كان أرسطو في السياسة قد قضى بأن الإنسان حيوان سياسي بالطبيعة، فإنا من الممكن القول إن الإنسان حيوان مدني بالصيرورة: فمستقبل الإنسان هو المدينة.هنا لا بد من الوقوف لكي نعرف المدينة، حتـّى ندرك أي مستقبل ينبغي أن ينخرط فيه الإنسان لكي يرتقي في إنسانيته درجات... فما المقصود بالمدينة الـّتي نتغياها؟
4. ما هي المدينة الـّتي نتغياها؟
لقد سبق لكثير من متفلسفة الإسلام مثلا -والفارابي على رأسهم في كتابه "آراء أهل المدينة الفاضلة"- أن تحدثوا عن المدينة فجعلوا "الخير الأفضل والكمال الأقصى إنما ينال أولا بالمدينة، لا باجتماع الـّذي هو أنقص منها " مثل القرية أو المحلة أو السكة (ص101-102)، فقسموها إلى مدينة فاضلة، وإلى مدن تضادها، مثل المدينة الجاهلية والمدينة الفاسقة، والمدينة المتبدلة، والمدينة الضالة. ثم رأوا أن "المدينة الجاهلية هي الـّتي لم يعرف أهلها السعادة ولا خطرت ببالهم"، إن أرشدوا إليها لم يفهموها ولم يعتقدوها، وإنما عرفوا من الخيرات بعض هذه الـّتي هي مظنونة في الظاهر أنها خيرات من الـّتي تظن أنها هي الغايات في الحياة، وهي سلامة الأبدان واليسار والتمتع باللذات، وأن يكون مخلى هواه، وأن يكون مكرما ومعظما. فكل واحد من هذه سعادة عند ظن أهل الجاهلية. والسعادة العظمى الكاملة هي اجتماع هذه كلها. وأضدادها هي الشقاء، وهي آفات الأبدان والفقر وأن لا يتمتع باللذات، وأن لا يكون مخلى هواه وأن لا يكون مكرما". ثم قسموا المدينة الجاهلية إلى المدينة الضرورية، والمدينة البدالة ومدينة الخسة والسقوط، ومدينة الكرامة، ومدينة التغلب، والمدينة الجماعية.(ص115-116). "ولما كان شأن الخير في الحقيقة أن يكون ينال بالاختيار والإرادة، وكذلك الشرور إنما تكون بالإرادة والاختيار، أمكن أن تجعل المدينة للتعاون على بلوغ بعض الغايات الـّتي هي شرور؛ فلذلك كل مدينة يمكن أن ينال بها السعادة. فالمدينة الـّتي يقصد بالاجتماع فيها التعاون على الأشياء الـّتي تنال بها السعادة في الحقيقة، هي المدينة الفاضلة." (ص 102 من آراء أهل المدينة الفاضلة، المطبعة الكاثوليكية، بيروت 1980).
هذه تحديدات نظرية سبق لأبي نصر الفارابي أن ورثها عظيمة القدر والمعنى للإنسانية جمعاء، جعل المدينة بمقتضاها الأقدر على خلق السعادة ومن ثم تهيئة الكمال باعتبارها وسيلة نافعة للاجتماع. وإذا كنا لا نطمع في تحقيق المدينة الفاضلة، فعلى الأقل نطمع في تحقيق المدينة الإرادية الـّتي لا تبعد كثيرا عن المدينة الفاضلة الـّتي لأمر ما توج فيها أفلاطون الفيلسوف رئيسا لها. إن مدينة الإرادة هي الـّتي نسعى إليها لا مدينة الإدارة. ومن المعلوم أن هناك فرقا شاسعا بين مدينة الإرادة وبين مدينة الإدارة. وحسبنا القول عن الأولى هي المدينة الـّتي سعى إليها كل الفكر البشري، وطمح إلى تحقيقها حيث قيم الخير والحق والجمال؛ سواء كانت "مدينة الله" أم مدينة الإنسان، إلا أنها لدينا بخصائص محددة ما دامت ترتبط بمكان مشترك نعيش فيه وهو تطاون، وأن الثانية هي مضاداتها، وهي في حالتنا عديدة مستقاة من تجربتنا التاريخية. وستأتي مناسبة تفصيل الكلام فيهما معا في قسم "فلسفة المدينة"، و"مدينة الفلسفة". ولنتكلم الآن على الحامل على التفلسف، والداعي إلى التمدن.
5. ما الحامل على التفلسف والداعي إلى التمدن؟
هناك الكثير من ملامح عدم "التفكير" في مدينتنا، والتي تنتج بعض سوء التدبير فيها. إلا أنا سنجتزئ ببعضها مما يكتسب لدينا دلالة أعمق على الحامل على التفلسف، والداعي التمدن:
أ- "ملصقات إعلانية" كانعكاس للعقلية السائدة في مدينتنا:
إذا قدر للباحث أن يقدم الدليل على غياب التفكير في المجال المديني لدينا، ثمة العديد من الملامح الـّتي تعطيه الكفاية في ذلك. فعلى سبيل المثال صيغ الإعلانات المثبتة بكيفية غير جمالية في الجدران وفوق الأبواب وفي المحلات. ومن سائرها:
"الهوا نالبيع" (الهواء للبيع)؛ فهذا الإعلان يمضي بالمتلقي الغريب عن النسيج الاجتماعي والثقافي لمدينتنا إلى الكثير من الاحتمالات إحداها أن هناك صناعة رائجة لبيع "الهواء"، مع أن المقصود به هو بيع حق الطابق العلوي واستغلاله في البناء. ففي غمرة التلوث الـّذي يضرب العالم سنكون من التجار الذين "يعلبون" الهواء ويصدرونه إلى الخارج، فنصبح من الأثرياء كأهل الخليج أو أثرى. لقد بيع كل شئ فلم لا يباع الهواء أيضا؟ لقد تفتقت عبقرية أهلنا على المتاجرة في ركاز الهواء بعد أن تاجروا في ركاز الأرض. كل شئ قابل للبيع والشراء حتـّى الهواء.
وقد يكون الاحتمال أن الأمر يتعلق بالهوى فتكون المصيبة الكبرى: فرطنا في العقل فهيئنا أنفسنا للمتاجرة في الهوى، فليس أمامنا إلا تجريب ادخاره لسنوات الحمق.
وقد يكون الاحتمال أن الأمر يتعلق بالحب فقد شبعنا "الحب" و"شاط" علينا ونحن الآن في سبيل تعبئته في قنينات للبيع في الخارج بعد أن فاض علينا في الداخل. التطاونيون أحباب في أحباب وعليهم أن يتاجروا في الحب حتـّى يكونوا من الذين يحبون لأنفسهم ما يحبون لغيرهم.
وقد يكون الاحتمال أن الأمر يتعلق بـ"الهوى المعلق في الخوى" ولا غرابة، فأهلنا مولعون بالغريب النادر، أليس قام فيهم من يبيع الخرفان في الانترنيت في عملية حداثية بالغة التقدم في سياق العولمة الخرفانية؟ يبيع الناس "العامر" (الملئ) فنبيع نحن "الخاوي"، يبيع الناس الوجود، فنبيع نحن العدم..
ومن الإعلانات الجدارية الـّتي تستفز فتجعل المتلقي لها يسلك غير ما تطلبه منه واحدة مبثوثة هنا وهناك. وتقول : "ممنوع رمي الأزبال ألحمار". والحق أنا لا نجد إلا تحية أصحابها على حرصهم على النظافة، ولكنا نشنع عليهم استفزازهم الناس، وسبهم إياهم، على ما في هذا الاستفزاز من غياب الأساس القانوني؛ فليس هناك ما يمنع رمي الأزبال إلا القانون الأخلاقي، أما القانون البلدي فحبذا.
ومن الإعلانات الـّتي تكشف جملة من التناقضات واحد يقول "تجميل النساء" فالمتلقي السئ النية قد يقول: طيب إن النساء قليلات الجمال، ولذلك يراد تجميلهن، أما الرجال فلا؛ لأن القيمة المطلوبة لدى الرجال هي المال، أما لدى النساء فهي الجمال. وحتى إذا طلب الرجال "الجمال"، كما هو الحال في مدينتنا، فقد نطعن في رجولتهم، وقد نظن بهم الظنون في فحولتهم، ونتوقع منهم أن يخرجوا قريبا من "الماريو"، ويعلنوا اختلافهم الجنسي. وقد يتجاوز الرجال قيمة المال إلى العقل، وهذا يؤكده المثل الشعبي مثل قولهم ": زين دالراجل فعاقلو، وزين دالمرا فوجها" (جمال الرجل في عقله، وجمال المراة في وجهها) كأنه ليس من الضروري أن تكون المرأة عاقلة و "معقولة"، بل يكفي أن تكون جميلة، ولو كانت من أصحاب "الرايات الحمر" من ساكنات "السانية" أو "الطالعة" كما كان الأمر عليه خلال الاستعمار الإسباني للمنطقة.
ومن الإعلانات الـّتي تكشف مزيدا من التناقضات واحدة تقول "حلاقة النساء" كأن الأمر يتعلق بزائدة دودية يراد التخلص منها، أو بشعر يتم السعي إلى حلقه؛ أليس في الأمر فائض من النساء حتـّى أن البعض يحملهن المسؤولية في تفشي البطالة: الرجال قاعدون والنساء عاملات... ومن تجرأت على مزاحمة الرجال في مهنة رجولية كسياقة الحافلات لقبت بـ"الدحاس" (الزحام) لأنها زاحمتهم في رجولتهم أيضا.
هذه الإعلانات وغيرها تكشف جانبا من "حالة التفكير" في مدينتنا، وطرفا من عقليتها وعقلية من يتدبر شؤونها. وأعتقد أن مثل تلك الإعلانات ما كانت تجب أن تكون لو كانت البلدية تنهض بممارسة مسؤوليتها التظيمية. الأمر يكشف فوضى المجال ولاعقلانيته. يجب أن تتحمل البلدية الـّتي لها الصلاحية في تنظيم المجال وعقلنته كامل مسؤوليتها. أكانت خطة "الحسبة"، وهي راسخة القدم في تقاليدنا وتراثنا التاريخي، أكثر حداثة من المجالس البلدية؟ الأمر يتعلق بغياب التفكير المدني في المجال الحضري، وبغياب فلسفة مدنية لتدبير المكان المشترك. وما أتينا على ذكره من أمثلة كاف لتذكيرنا أنا نحتاج التفلسف من أجل التمدن ومن أجل السعادة.
ب- منظومة السلوكات كتتويج لمنظومتنا في التفكير:
هناك العديد من السلوكات الـّتي نسلكها فنكشف بها من دون وعي مبلغنا في التفكير أو نمطنا فيه. فمثلا إنا نرفع أصواتنا كثيرا مما يدل على أنا نصرخ أكثر مما نفكر، أو أنا نفكر بحناجرنا عوضا عن عقولنا. رفع الصوت هو ضعف الحجة، وعدوانية لا مبرر لها في سياق تبادل الكلام لا اللكم. يصرخ الناس على بعضهم البعض إما بحناجرهم، أو بصفارات سياراتهم، فيساهموا في حركة التلوث البيئي والنفسي للإنسان وللطبيعة.
ثم إنا قد نضطر إلى قضاء الحاجة فلا نجد مكانا مناسبا لذلك، فنتخير مكانا قصيا في قلب المدينة، ونقضي فيه حاجتنا أو بين السيارات كما تفعل بعض النسوة لما يحملن أطفالهن على قضاء حاجتهم في العراء بين السيارات، أو على قارعة الطريق. لم تفكر البلدية في بناء مراحيض عمومية كما هو المطلوب، وما زالت سياستنا العمرانية متخلفة كثيرا عما ورثناه من مثيلتها في تطاون لما كانت المراحيض العمومية مرافق ضرورية إلى جانب المساجد أو بمقابلها مثلها مثل الحمام أو المسجد...
ثم إنا نرمي الأزبال ما كان منها معنويا أو ماديا حتـّى أصبحت مدينتنا مزبلة سوريالية لا نظير لها وهي الـّتي كانت تسمى بـ"الحمامة البيضاء" كناية على بياضها ونظافتها. صحيح إن البلدية لم تقم بواجبها في توفير مزابل عمومية لرمي الأزبال، ولكنا نتحمل مسؤولياتنا في تلويث مجالنا وتوسيخه. يفرط الواحد منا في التحضر المادي، فإذا هو ممعن في التبدد لما يأكل "الباسطيلي" فيرمي بالورق الملفوف فيه، أو يرمي بعلبة الدخان الفارغة مثلما يصنع بعض الناس الذين يركبون مركبات ممعنة في التكنولوجيا، ولكنهم يسوقونها بعقلية بدوية ممعنة في التخلف، يستغلون إشارات المرور، فيفرغون علب السجائر في قارعة الطريق في هدوء واطمئنان كأن لا شئ يحدث للمدينة. هناك تناقض خطير بين السائق والمركبة الـّتي يسوقها: بنية غير منسجمة تماما. وهكذا سلوكات بعض السائقين العموميين. فبعضهم من فرط تواضعه يقول للزبناء: "سيّبكوم هنا" (أطرحكم هنا) وبعضهم يدوخه بأغاني ساقطة وبعضهم بعفونة كريهة، وبعضهم بتحرشات واضحة. مع أن السائق العمومي هو سفير المدينة ووجهها المشرق. ولكن يبدو أن بعضهم لا يحب مهنته، أو لا يرضى أن يكون سائقا عموميا إلى غير ذلك. ألا تتحمل البلدية هاهنا مسؤوليتها في اختيار من تراه الممثل الحقيقي للمدينة ووعيها الحضاري وحسها الثقافي؟
وتريد أن تتخلص من السائق العمومي فتهرب إلى الحافلات العمومية، ولكن مصيبتها أكبر من مصيبة الطاكسيات؛ فهناك أنت مجبر على ترك كرامتك تهان ألف مرة في كل محطة من محطات النزول أو الركوب. هذا إذا سمينا تلك النقاط بمحطات، والحال أنها محض نقط لا غير، لا تتوفر على شروط المحطة مما هو متعارف عليه في محطات الحافلات في الدنيا. تستقل الحافلة فتكدس فيها كعلب السردين، وتشفق على حال امرأة واقفة تتقاذفها الأيادي والأرجل، فينهض منادي الشهامة في أعماقك، وتهم بأن تتنازل لها عن مقعدك، ولكنك تتذكر أن كرامتك ستغتال بمجرد أن تصبح من الواقفين، فتمارس اللامبالاة كما يمارسها كثير من الرجال القاعدين وأعينهم إما مسمرة في الخارج، أو على نساء واقفات مغلوبات على أمرهن. يسمّعك السائق أغنية "اسقني يا الساقي أو عمارلي الكاس" (اسقني أيها الساقي واملأ كأسي) ويأخذ منك "الكريسون" وجيبة التذكرة دون أن تراها، وإذا حرصت على مطالبته بها، غمغم قائلا "المغاربة قباح" أو "احنا قباحين غير مع بعطنا" أو "كتجبرو الغولب غير على البوبري" كأنه ينتظر من الناس أن يتواطؤوا على غشه، ويسكتوا عن مطالبته بحقهم في التذكرة، فمن يحمي كرامتهم إذا صعد "الكونطرول" إلى الحافلة وضبط الناس بدون "خلاص"، ماذا سيقال عنهم إلا "السالتين" المسلكين...
ت- منظومة القيم:
كما أن هناك العديد من القيم الـّتي تنطوي عليها أمثالنا الشعبية، فتؤثر في سلوكاتنا، وتطبع تصورنا للعالم، وتلون اختياراتنا فيه، ومن ثم تصبح لازمة لنا في مجموع حياتنا اليومية؛ إذ هناك أمثال تكرس الانتظارية والكسل مثل "اللي بغا يربح العام طويل"، أو الاتكالية مثل " اذا عطاك العاطي لجبال تواطي"، أو تعلم الانتهازية والتفريط في الكرامة مثل "قول نجرو سيدي حتـّى يعديك الواد"، أو اليأس مثل" اللهم الروكان ولا الماروكان"، أو التنميط العشوائي مثل "العربي: المرا والتجارا، والجبلي: المرا والحمارا، والمديني: المرا والخسارا"، والتعميم الخاطئ مثل "المراكشي جوابو فمو، والفاسي جوابو فكومو، والتطاوني جوابو عند وومو"، والانتفاعية والاستغلالية مثل " لامزيانا للمنظر، لا خفيفة تتسخر، ولا ساقت شي فيداه"، أو زرع عدم الثقة بين الجنسين، واعتبار المرأة كما لو كانت السبيل المؤدي إلى النار مثل " طاعة النسا كدخال للنار"، وتكريس نظرة تشييئية للمرأة، وإغفال قيمة الأخلاق لديها مثل "زين الراجل فعاقلو، وزين دالمرا فوجها"، واعتبار النساء سواسية ولو كانت إحداهن "ربيعة العدوية" مثل قولهم " الحوت كلو حوت والنسا كلاه خوت"، وتكريس الانعزالية وقيم البخل حتـّى في إلقاء التحية مثل " السلام يجبد الكلام والكلام يجبد تنفيحة"...وبالرغم من أن الكثيرين منا لم يسمعوا في حياتهم حرفا واحدا من تلك الأمثال، إلا أنها أصبحت قيما مسكوكة قد يعد الكفر بها خروجا عن عقيدة المجتمع في الحياة. و ربما يكون مجرد التفكير فيها، وبالأحرى نقدها، من الأسباب الـّتي تؤدي بصاحبها إلى فقدان أسباب الانتماء الرسمي إلى أهله، ومن ثم الشعور بغربته عنهم. أليس التفكير فريضة معطلة في مجتمعاتنا طولا وعرضا؟
ث- منظومة اللغة:
ثم إن منظومة اللغة، على الرغم من أهميتها في التواصل، قد تكشف لنا عما تحمله من مؤشرات غير مباشرة من عدم التفكير، ولكنك إذا نبهت على مضمونها الغير المنطقي، وبنيتها المتهافتة فقد تنال "عذابا عظيما" من الاستغراب أو الاستهجان. فعلى سبيل المثال، قد يلتقي الواحد منا صاحبه فيذكر له أنه "توحشه" فيرد عليه بكل تلقائية قائلا:" يتوحشك الخير والربح" دون أن يدري أنه يتمنى له غير ما قصده، فمن يدعو على أحد بأن يشتاقه "الخير" و "الربح" ليس إلا عدوك او خصمك وليس حبيبك او قريبك، والأحرى أن يدعو لك بالشر والخسارة إذا كان صادقا في محبتك، ووفيا لقرابتك، فمن يحب أن يشتاقه الخير والربح؟ ومن منا لا يريد أن يشتاقه الشر والخسارة؟ ولكن هب أنك ذكرت هذا لأحد، فإنه سيصب عليك جام غضبه ظانا أنك تريد له السوء، فيما أنت تفكر بطريقة معقولة في اللغة، وتصرفها حسب الحال، ومن ثم تصحح خطأ غير مقصود، أو تم قصده، ولكن تنوسي مع كثرة الاستعمال واختلاف نوايا المستعملين. والغالب أن من أحب تصحيح وضع لغوي وسلوكي مثل هذا فقد يرمى بالتحذلق إن لم يرم بالتفيهق أو بقلة العقل. صحيح إن الناس تعودوا على مثل هذه الأنماط في التعبير، ولكنها على خطئها، فهي تؤدي وظيفة في التواصل بينهم، ولكنه تواصل قائم على أساس مغشوش في الاعتقاد، وعلى بنية متهافتة في الدلالة.
وقد يحدث أن نتأمل لغتنا اليومية فتجدها على وضع غير منطقي ولا مريح لأشواقنا في تفكير سليم مرتبط بتدبير مثمر؛ على الرغم مما ندرك من أن اللغة ذات طبيعة تواصلية من غير اقتضاء لبنيتها المنطقية. ومع ذلك لا نغفل أن نماذج من ألفاظنا حاملة لبوادر من عدم التفكير كليا، أو على الأقل من عدم التفكير بكيفية سليمة حسب منطق اللغة لا حسب ضرورة التواصل. درجنا على تسمية " الأعمى" بـ"العوار"، مع أن الأعور هو من سلمت إحدى عينه من العمى، وبالمقابل نسمي "الأعمى" بـ"البصير" مع أن البصير هو من يرى لا من لا يرى، وإذا لم يكن الأمر احتراما لمشاعر "الأعمى" حين نتفادى تسميته بحقيقة الحال لا بمجاز الآمال، أو اعتبارا "أنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب الـّتي في الصدور"، فإن الأمر لا يعدو أن يكون محض أثر من آثار عدم تفكيرنا الـّذي تعكسه بعض لغتنا اليومية. ولا يشفع لنا أن لغتنا قائمة على بنية "التحريف"، او أنها جوهريا خاطئة، ولكنها أداتيا موصلة أو تواصلية بين المداولين لها، فلا نسعى إلى التنبيه على كيفياتنا في التفكير وألفاظنا في التعبير، وسلوكاتنا في التدبير. إنها مسؤولية معرفية وعقلية قبل أن تكون رضى بواقع لساني يحقق التواصل بين الأفراد داخل مجتمع كمجتمعنا يستعمل المجاز أكثر من استعماله الحقيقة، ولا يأبه بالأصل الخاطئ للألفاظ، ويحفل بقيمتها التواصلية فحسب. إنه "لا يجناف" (لا يبالي) بكل مقررات العقل أو شروط اللغة العقلية أو المقتضيات العقلية للغة، وحسبه أن يأكل "كومير" (نوع من الخبز) التواصل، ويستخدم "مشطة" المعاني الاستعمالية، ولا بأس أن يرتكب فظاعة التعصب الديني أو العرقي أو الإقليمي حتـّى تكاد تكون لدينا منظومة متكاملة من عدم التسامح هذه بعض مظاهرها:
ج- منظومة عدم التسامح:
خذ عمراننا مثلا: إنه ما يزال محتفظا بكثير من علامات عدم التسامح؛ إذ لدينا باب كبير من أبواب مدينتنا اسمه "باب الجياف"، ولا يشفع للمتسامحين منا أن يسموه بـ"باب السفلي"، لأن البعض من أهلنا ما زال جامدا على قول "جاف" اليهودي أو النصراني، عوض "مات" مستدركا قوله بالتي هي أفظع: " حاشاك" التنزيهية. ومما يخفف من عدم التسامح هذا أن البعض من أهلنا يقول "حاشاك" حتـّى لأهله إذا ورد ذكر المرأة في حديثه، كانت شريفة أم غير شريفة؛ ممن يقصدها للتخفيف من وطأة حرمانه الجسدي والعاطفي. تاريخ من عدم التسامح طويل يحمل البعض منا على تشبيه كل خائف بخوف اليهودي لما يقول: " كيخاف فحال اليهودي"، أو يستهجن فراشهم لأنهم "وسخين" فينصح:"كول ماكلة اليهود، وانعس ففراش النصارى"، أو يركز الكسل فيهم: " التقال والعقبا والحمار يهودي"، أو الذي خسر دينه ودنياه:" بحال اليهودي المزلوط، لا دنيا ولا آخرة"… منظومة متكاملة من عدم التسامح مع غيرنا من أهل الكتاب ينبغي أن تكون لدينا الموضوعية للاعتراف بها لمواجهتها بشجاعة، دون التفريط في بيان الموقف الصحيح من التسامح كتسامح مشروط باسترداد الحق، واسترجاع الكرامة والاستقواء لا الاستضعاف، وإلا لكنا بصدد التطبيل للتطبيع مع من غصب الأرض، وأهان الكرامة، واستضعف الحمى، ومس بالعرض... وهذا ليس غرضنا كما هو معروف عنا. ولا يمنعنا هذا من القول إن لدينا منظومة متكاملة من عدم التسامح حتـّى مع من يشاركنا المكان والدين واللغة من أهلنا، لما نجعلهم هم الوارثين للمكر والخديعة دون غيرهم: "أهل الحوز وغمارة كيقلبوا الرسوم فالشكارة"، أو احتقار الذات دون شعور أو الغير بشعور وربط العرب بالخراب أو البدو بالدمار :" إذا عُربت خربت"، أو بالخسارة :" سلم على عربي تخسر خبزة"، أو الاعتقاد في أفضلية جنس على جنس آخر، ومن ثم فتساويهما مدعاة للهجرة والفراق :" إذا تخاواو الجنوس، ما بقا فالغرب جلوس"، أو تركيز الشر في قبيلة بعينها، واعتبار أفرادها على قدر لا يوصف من الطمع وعدم المروءة والجشع:" السعيدي والفار لا توريه باب الدار، يدو في المخفية وعينو فمولات الدار"، أو " كل ما يجي من الشرق مليح، غير السعيدي والريح"، أو " إذا اسمعت الرّا في الليل اعرف إما الجن وإما الشاوني"، او احتقار الخدم واعتبارهم من فصيلة أخرى غير فصيلة الإنسانية: " ديخالط الخدم، لا بد يندم، لا سيفا مليحا، ولا قلب مسلم"، أو تشبيههم بالحمار ومن ثم استقباحهم:" الخادم باللثام بحال الحمار باللجام"... كل هذه الحيثيات تكشف عن أنا نحتاج إلى مراجعة الكثير من بديهياتنا حول "التسامح"، أو ادعاءاتنا حول "أنا مجتمع متسامح"، ومن ثم البدء في سلوك متحضر ومتسامح مع أنفسنا ومع غيرنا، ومن ثم ترك ما يفرقنا إلى ما يجمعنا.
ح- الفضاء العمومي محاصر :
إنها ليست منظومة القيم الـّتي تعوق التفكير فحسب، بل هي أيضا ضيق الساحات العمومية أو انعدامها أو تسييجها. الفلسفة نشأت في الساحة في "الأغورا"، في "الفدان" كصيغة تطاونية للأغورا، كمجال للحوار والتواصل والتراحم وكل القيم الجميلة. الآن ليست هناك أمكنة عمومية مفتوحة تسمح بنشوء التفكير والحوار والمناقشة في القضايا العمومية. فلذلك لا نستغرب أن تنشأ ثقافة "البيكيرو"، ثقافة السر، والمؤامرة، والدسيسة، والستر، والخداع. إذا كانت الشمس لا تدخل إلى بيوتنا، فهل نطمع في أن تدخلها الصحة والعافية والنور؟ لا بد من فتح الفضاءات العمومية وتحريرها من الحصار المرتهنة له حتـّى تنشأ حياة طبيعية فيها البعد الاجتماعي للإنسان سليم ومعافى من كل الشوائب والأمراض. المدينة الـّتي ليست فيها الساحات العمومية مفتوحة لا تسمح بالديموقراطية؛ فكلما كانت الساحات العمومية مغلقة أو مسيجة، إلا وكانت نسبة الديموقراطية قليلة أو منعدمة.
وكيف يمكن تصور مدينة بدون "مراحيض"؟ العمران الحديث يقتضي التفكير في الإنسان والتدبير لحاجياته الطبيعية. ليس هناك تفكير في العمران، ولا تدبير لحاجات الإنسان؛ مع أن التقسيم المجالي العمراني الـّذي ورثناه عن أجدادنا كان يقتضي وجود مرحاض إلى جانب كل مسجد، مثلما كان يوجد المسجد والمارستان والسوق والحمام وغير ذلك من المرافق الاجتماعية الضرورية. مقياس التحضر العمراني وجود مرافق تستجيب لحاجات الإنسان. نؤدي الضريبة للبلدية، ولكن البلدية لا تقوم بواجبها؛ لأنها لا تفكر فينا، ولا تدبر لحاجياتنا. (ربما لأنا أخطأنا في ممارسة اختياراتنا لها، أو لأن إرادتنا زورت لحظة التعبير عنها. وهذا كلام آخر).
وكيف يمكن تصور مدينة حديثة بدون سلة المهملات؟ تحب أن تمارس تحضرك، وتتفاد تلويث البيئة وتوسيخ مدينتك من منطلق احترامك لنفسك ومحبتك لمدينتك، ولكن البلدية لا تساعدك على ذلك؛ فتكون مضطرا للاحتفاظ بما لديك حتـّى ترميه في مكانه المناسب في سلة مهملاتك البيتية، أو تضطر لإضافته إلى المزبلة العمومية الـّتي تطاردك ميمنة وميسرة. كثرة الأزبال في المدينة علامة على اضطراب في التفكير، واعتلال في التدبير، وليس محض تراكم مادي لنفايات عادية أو مركبة. وجودها علامة على غياب إرادة في التفكير، وانعدام عزيمة في التدبير وتعلة "الإمكانيات الضئيلة" باتت قديمة ولا يصدقها أحد أمام تزايد انواع الضرائب الصغرى والكبرى... المدينة موجودة، ولكن التمدن غائب؛ بحيث أنها لا تناسب تطور عقليتها. العقلية المدنية تقتضي تطور العمران والإنسان، وتحضر العمران والإنسان، وليس تحضر أحدهما. وهذه هي المفارقة الـّتي نعيشها يوميا في مدينتنا. لقد أصبحت مجالا للبشاعة والتخلف، عوض أن تكون مجالا للجمال والتقدم.
لا شك أن هذه الملامح من عدم التفكير، سواء كانت من منظومة عدم التسامح، أو من اللغة اليومية، أو من علامات الإشهار، أو من منظومة القيم، تفرز تدبيرا مختلا أو معتلا أو ناقصا أو ما شابه من تدبيرات مما لا يرق إلى مستوى الطموح أو التوقع من لدن الناس في المدينة. ومن ثم فإن الحامل على التفلسف هو هذا الوضع الغير المنظم من التفكير، والداعي إلى التمدن هو هذا الحال من التبدد الـّذي يطبع المدينة بطابع البادي



