§ الرئيس: محمد بلال أشمل: أستاذ فلسفة وفكر إسلامي.
§ نائب الرئيس: عرفة بلقات، أستاذ باحث في العلوم اللغوية والفقهية.
§ الكاتب العام: سعيد زبيدة، أستاذ فلسفة وفكر إسلامي.
§ امينة المال: إيمان الخطابي، شاعرة.
§ المستشار: خالد الرامي، باحث في التاريخ.
الجمعية الفلسفية التطوانية Asociación Filosófica Tetuaní (AfT), jamiafalsafiatetuania@yahoo.es
Wednesday, May 31, 2006
§ الرئيس: محمد بلال أشمل: أستاذ فلسفة وفكر إسلامي. § نائب الرئيس: عرفة بلقات، أستاذ باحث في العلوم اللغوية والفقهية. § الكاتب العام: سعيد زبيدة، أستاذ فلسفة وفكر إسلامي. § امينة المال: إيمان الخطابي، شاعرة. § المستشار: خالد الرامي، باحث في التاريخ.
Wednesday, May 31, 2006
البند الأول (التسمية والأهداف والمقر وعنوان المراسلة) الفصل الأول بمقتضى الظهير الشريف المنظم للجمعيات، رقم 1.02.206 الصادر في 12 جمادى الأولى سنة 1423 الموافق لـ 23 يوليوز 2002 بتنفيذ القانون رقم: 75.00 المغير والمتمم بموجبه الظهير الشريف رقم: 1.58.376 الصادر في 3 جمادى الأولى 1378 الموافق لـ 15 نوفمبر 1958 بشأن تنظيم حق تأسيس الجمعيات ، تأسست بين الأشخاص الحاضرين، ومن سينضم إليهم، جمعية غير حكومية تسمت باسم "الجمعية الفلسفية التطوانية"Asociación Filosófica Tetuaní .
الفصل الثاني تهدف "الجمعية الفلسفية التطوانية" إلى: -العناية بالشأن الفلسفي في المدينة في سائر مظاهره وتجلياته، -الدفاع عن الفلسفة وسائر أنماط التفكير العقلاني، -المساهمة في التفكير الفلسفي في المدينة، - المشاركة في الحوار الفكري بين أطراف الانتماء الوطني، -فتح نافذة الحوار على العلوم الاجتماعية والإنسانية وخلق جسور التواصل مع التخصصات الـّتي تمثلها، -الانخراط الواعي في الفكر الفلسفي الوطني، ووضعه في خدمة الحداثة والتنمية. -المساهمة في تطوير تدريس الفلسفة بالمدينة، -خلق إطار من الحوار والتواصل بين مفكري المدينة ومثقفيها، -تمكين مختلف الفاعلين التربويين وسائر المثقفين من ثمار الفكر الفلسفي، -وصل الجمعية بسائر الجمعيات الفلسفية والثقافية وطنيا ودوليا. -خلق شراكة مع الجمعيات والمؤسسات الـّتي لها نفس الأهداف، وطنيا ودوليا.
الفصل الثالث مقر الجمعية: ثانوية المنصور الذهبي للتعليم الخاص، تطوان. ويمكن نقله إلى مكان آخر بقرار من المكتب المسير للجمعية.
الفصل الرابع مدة عمل الجمعية غير محدود.
الفصل الخامس عنوان المراسلة العادي هو صندوق البريد رقم: 873 تطوان 9300 المغرب، و الإلكتروني هو: jamiafalsafiatetuania@yahoo.es
البند الثاني ( تركيب الجمعية) الفصل السادس تتكون الجمعية من أعضاء مؤسسين وأعضاء منتمين وأعضاء شرفيين؛ فالعضو المؤسس هو كل من ساهم في تأسيس الجمعية، والعضو الشرفي هو كل من ساهم في تحقيق أهدافها. والعضوية الشرفية تمنح للأشخاص الذين أسدوا للجمعية خدمات جليلة وبعد تصويت أغلبية أعضاء المكتب المسير، ويجري إعفاؤهم من واجبات الاشتراك. أما العضو المنتمي فهو كل من له صلة بالفكر الفلسفي ويؤدي مستحقات العضوية. على أنه لا يحوز على حق الانتماء إلى الجمعية إلا بعد موافقة عضويين مؤسسين على الأقل.
الفصل السابع لكل عضو الحق في الانسحاب من الجمعية في أي وقت يشاء، بعد أداء ما تبقى عليه من الواجبات بما فيها مستحقات السنة الجارية.
الفصل الثامن يفقد صفة العضوية الشرفية أو الانتمائية كل من اتخذ المكتب في حقه قرار سحب العضوية، سواء لعدم أدائه الواجبات المالية، أو لإخلاله بمبادئ الجمعية، أو حيلولته دون تحقيق أهدافها، أو سعيه إلى عرقلة سيرها الطبيعي. ولا يكون فقدانه للعضوية ساريا إلا بعد استفساره عن حيثياتها عن طريق رسالة مضمونة. إن وفاة عضو من أعضاء الجمعية أو استقالته أو طرده لا يضع حدا لنشاط الجمعية.
الفصل التاسع عند الاقتضاء، يمكن للمكتب المسير تشكيل لجان مكونة من أعضاء منتمين للجمعية أو مكلفين من خارجها.
الفصل العاشر حددت المساهمة المالية في عضوية الجمعية من لدن الأعضاء المؤسسين أو المنتمين على الشكل التالي: -الاشتراك السنوي لأعضاء المؤسسين: 200 درهم، -واجب الانخراط السنوي للأعضاء المنتمين: يحدده القانون الداخلي. -ويفتح حساب بنكي لهذا الغرض. البند الثالث (تسيير الجمعية) الفصل الحادي عشر يتكون المكتب المسير للجمعية من خمسة أعضاء مؤسسين يرشحون من لدن الجمع العام عن طريق اللائحة، وبالأغلبية الحاضرة لمدة أربع سنوات. ويوزعون المهام فيما بينهم على الشكل التالي: -الرئيس: يدعو إلى انعقاد اجتماعات المكتب، ويترأسها وينفذ قرارات المكتب، ويتكلف بمراسلة الجهات الرسمية والغير الرسمية. كما يمثله أمام المحاكم وفي جميع القضايا المدنية، ويتكلف بالتسيير المالي مع أمين المال، -نائب الرئيس: يقوم بمساعدة الرئيس، ويقوم مقامه إذا ما تعذر على الأول النهوض بمهامه. -الكاتب العام: يتكلف بتطبيق القوانين التنظيمية الضرورية لسير الجمعية، ويدعو إلى الجمع العام، ويوزع جداول أعمال الاجتماعات، ويحافظ على الوثائق ومحاضر الجلسات، ويسهر على تنفيذ البرامج المسطرة من لدن الجمعية. أمين المال: يتكلف بحسابات الجمعية، ويتسلم مداخيلها، ويودعها في حساب بنكي أو بريدي ويقوم بعد موافقة الرئيس بعملية السحب والأداء، ويعطي التوصيلات عن كل مبلغ أو سند تلقاه. ويتعين توفر إمضاء الرئيس إلى جانب إمضاء أمين المال في كل ما يتعلق بالعمليات المالية. -مستشار: يقوم بتقديم الاستشارة للمكتب ويساعده على تنفيذ برامجه وغاياته. ولا يتقاضى أعضاء المكتب أجرا مقابل القيام بأعمالهم سوى ما تعلق بتعويضات من مال الجمعية لقاء مصاريف تؤدى بغرض تحقيق أهداف الجمعية وأنشطتها.
الفصل الثاني عشر في حالة تعذر قيام أحد أعضاء المكتب بمهامه، يعاد توزيعها من لدن أعضاء المكتب.
الفصل الثالث عشر يجتمع المكتب المسير للجمعية مرة كل شهر. ولكي تكون مداولات المكتب قانونية لا بد من حضور على الأقل ثلاثة أعضاء في الاجتماع. وتتخذ القرارات وفقا للأغلبية النسبية للأعضاء الحاضرين، وفي حالة تعادل الأصوات يعتبر صوت الرئيس فاصلا.
الفصل الرابع عشر صلاحية المكتب تكون لمدة أربع سنوات، ويمكن تجديد الثقة بأعضائه مرة أخرى.
البند الرابع (الجمع العام) الفصل الخامس عشر الجمع العام هو أعلى هيأة تقريرية في الجمعية. ويتكون الجمع العام من الأعضاء المؤسسين في الجمعية، ويمكن للأعضاء الشرفيين والمنتمين الحضور في أشغال الجمع العام دون التصويت. ولا يملك العضو المؤسس إلا صوتا واحدا، ويتم الإدلاء به بوساطة بطاقة العضوية. ولا يجوز التصويت بالوكالة. ينعقد الجمع العام بصفة عادية كل أربع سنوات في اليوم والساعة والمكان المعلن عنهما في الاستدعاء، وينعقد بصفة استثنائية إما بطلب من مكتب الجمعية أو بطلب من ثلثي الأعضاء المؤسسين. ويتم انعقاده وفقا للشروط القانونية للجمع العام العادي. توجه الاستدعاءات خمسة عشر يوما على الأقل قبيل موعد انعقاد الجمع العام، ويتم نشر خبر بذلك في وسائل الإعلام. يحدد المكتب مشروع جدول الأعمال الذي يشمل الاقتراحات الصادرة عن المكتب أو التي توصل بها قبل شهر على الأقل من تاريخ الجمع العام من لدن الأعضاء المنتمين. وللمكتب وحده صلاحية تقدير ما إذا كانت اقتراحات الأعضاء المنتمين لتحديد جدول الأعمال جديرة بأن تؤخذ بعين الاعتبار أم لا.
الفصل السادس عشر يشكل الجمع العام لجانا من الأعضاء المنتمين أو غيرهم للنظر في مشاريع التقارير والتوصيات ويستشار فيها ولا تكون ملزمة إلا بعد موافقة أغلبية الأعضاء المؤسسين للجمعية.
الفصل السابع عشر يستمع الجمع العام العادي إلى تقارير المكتب في تسيير الجمعية، فيرفض أو يقبل ميزانية التسيير التي تنتهي شهرا على الأقل قبيل موعد انعقاد الجمع العام. ثم يتم تجديد الثقة فيه تلقائيا لفترة تسييرية أخرى. ويجوز أن تظل نفس المهام كما كانت عليه في المكتب السابق. ويتم تسجيل مداولات الجمع العام في سجل خاص يوقعه أعضاء المكتب ويثبت فيه عدد الأعضاء الحاضرين سواء من المؤسسين أو المنتمين أو الشرفيين في الاجتماعات العامة.
البند الخامس (موارد الجمعية) الفصل الثامن عشر تتكون موارد الجمعية من: -واجبات المنخرطين، -المساعدات المالية والعينية التي تحصل عليها الجمعية من الدولة أو من جمعيات ومنظمات وطنية أو دولية أو أشخاص من داخل الجمعية أو من خارجها، -مبيعات المنشورات التي قد تقوم بإصدارها. البند السادس (تدابير خاصة) الفصل التاسع عشر
-يمكن للجمعية انتداب من تراهم أكفأ لتمثيلها في المنتديات الوطنية والدولية.
الفصل العشرون -يمكن للجمعية الانتماء إلى كل التنظيمات الوطنية والدولية الـّتي لها نفس الاهتمامات.
الفصل الحادي والعشرون -يمكن للجمعية عقد توأمة مع أية جمعية لها نفس الأهداف.
البند السابع (حل الجمعية) الفصل الثاني والعشرون في حالة حل الجمعية سواء بأغلبية الأعضاء المؤسسين أو قهرا، فإن أمين المال يتكلف بتصفية ممتلكات الجمعية تحت إشراف المكتب، وتؤول ممتلكات الجمعية إلى جمعيات تربوية ذات الحاجة. الفصل الثالث والعشرون لا يمكن تعديل هذا القانون إلا من لدن الجمع العام، وكل تعديل يدخل عليه أو على تكوين المكتب يعلن عنه وفقا لمقتضيات ظهير الحريات العامة.
Wednesday, May 31, 2006
![]() محمد بلال أشمل
أولا: ضرورة التفلسف، ضرورة التمدن.
إذا كان من الممكن عدم الإساءة إلى الإدارة -ممثلة في هذه الحالة في وزارة الشباب- شباب الفكر وشباب المدينة- لأنها وثقت فيّ فكلفتني بإلقاء هذه المحاضرة، فلعلي أقول إني لست متفقا معها في تصورها لشعار الجامعة الشعبية: "المعرفة من أجل المعرفة". إن ملاحظتي التالية المتعلقة بالشعار الـّذي وضعته للجامعة الشعبية، هو بمثابة المدخل النقدي لتعامل صحي ومفيد ومثمر معكم، ومن ثم مع أية محاولة للتفكير في مدينتنا. إن هذا الشعار شعار أفلاطوني اعتقد فيه الشيخ اليوناني بعد أن ضمن المدينة الديموقراطية في أثينا، أما نحن في تطاون فلا. ولهذا فغرضنا هو إقامة هذه المدينة على تقوى من الحرية والكرامة والسعادة والتقدم. ومن ثم فشعارنا هو المعرفة من أجل التمدن، لا المعرفة من أجل المعرفة. وسأقول لكم لماذا نحتاج إلى التمدن لاحقا. إنما اعذروني إذا ذكرت لكم أنكم على الرغم مما يخيل إليكم أنكم جئتم لتلقي المعرفة من أجل المعرفة، فأنتم لم تأتوا إلى هنا في الجامعة الشعبية إلا لتتداووا بالمعرفة من أجل آفة معينة، بعد أن استعصت عليكم "الجامعة الرسمية". أليس يسعى الرجل الفقير منا إلى التداوي بالأعشاب الشعبية بعد أن يفقد الثقة في الصيدلي العالم، أو يفتقر إلى المال لتحصيل الدواء الـّذي يصفه له الطبيب؟ كأني بكم هاهنا في "الصيدلية الشعبية" تتداووا بأعشاب لا تجدوها في "الصيدلية الرسمية"، كصيدلية "مرتين" أو "المحنش". لكن ما هي الآفات الـّتي يشكو منها أغلبكم؟ الجهل فقط؟ هذا جواب قاس ولو أنه لا يعيب صاحبه أن يعترف به، إنما يعيبه أن يجمد عليه، ولا يسعى إلى تغييره بالعلم. استكمال التكوين؟ هذا الجواب ديبلوماسي جدا، ويحافظ لديكم على كبرياء المتعلم فيكم. أنا أتصور أنكم جئتم- وجئنا معكم- لكي نتداوى من آفة التخلف، ونكتسب مناعة ضد شروره. فأرجو أن أكون المداوي الماهر لآفتكم، والمتداوي الأول منها. وهنا أقول لكم كما يقول المثل لدينا في تطاون:" إذا حبيت تقرا تغرب، وإذا حبيت تجرب قرب" ( وبالعربية الفصيحة: إذا أحببت أن تدرس فتغرب، وإذا أحببت أن تجرب فاقترب)، فما لدينا إلا التجربة المستخلصة من رحيق التأمل. أليس يقال "سال المجرب لا تسال الطبيب"، وإن كان يقال أيضا "سال المجرب ولا تنساشي الطبيب"؟ إذن اصبروا علي قليلا لكي أخبركم عن ملامح هذا التخلف -الـّذي جئتم تتداووا منه في مدينتكم- حتـّى أقول كلمة عن "الجامعة الشعبية". أتخيل أني وسط الشعب، والشعب تعود على الخطابة، وأنا لا أريد أن أخطب فيكم، بل أريد أن أدعوكم للتفكير عبر دعوتي إياكم للتفلسف، ومن ثم سعيي معكم للتمدن. ودعوني أذكر لكم أن العامة الـّذي يتكون منها الشعب لدى القدامى هي لأمرين: إما إطفاء الحريق أو إنقاذ الغريق. أي الأمرين تودون أن ننهض بهما؟ إطفاء الحريق؟ هناك ما يكفي من الحرائق في مدينتنا، وهناك ما يكفي من "الحراقيات" فيها. إنقاذ الغريق؟ هناك العديد من الغرقى ولا من ينقذهم. إذن ولو بخس القدامى حق العامة وجعلوها لا تقوم إلا بهاتين المهمتين، فهي لدينا رتبة شريفة، ومن ثم فإن منزلة العامة لدينا أشرف، وما أحرانا لو قمنا بما تقوم به العامة في الجامعة الشعبية: إطفاء الحريق و إنقاذ الغريق. قد تتساءلون أي غريق وأي حريق هذا؟ والجواب لا أمكنكم منه الآن، ولكن أنتم من ستنتبهون إليه لما تدركوا كم عدد "الحراقيات" في مدينتنا مستعدة للانفجار إذا لم نعمل على تداركها بالحكمة والتعقل، وكم من "المستنقعات" الـّتي سنغرق فيها إذا لم نتدبر أمر صمام الأمان لتفاديها. والحمد لله أنها جامعة وليست مفرقة؛ فالجماعة أقدر من الفرد على إنقاذ الغريق وإطفاء الحريق. والحمد لله أنها شعبية غير رسمية؛ فقيود الرسمي تثقل الجبال، فبالأحرى الأفراد. ونحن نعشق الحرية لذلك نحن مع الشعب في "الجامعة الشعبية". نقول "الشعبية" ولا نقول "السوقية"، لأننا لا "نتهاود" بل نفكر ونتأمل لكي نتفلسف ونتمدن. خاصة ونحن في قاعة "الزرقطوني"، الرجل الشعبي الـّذي تجاوز ذكورته إلى رجولته، فعبر عن قيم المسؤولية والمروءة والشهامة والتضحية، وأراد أن يكتب شعبيته بالفاس، لا بالقرطاس وسط صمت الساسة من "الأعيان". ومع ذلك فليس الشعب كله عامة، الشعب أيضا فيه الخاصة. ألم يكن سقراط يحاور الشعب وفيهم -كما فيكم- رجال القضاء والشعراء والأدباء إلى جانب الصناع والحرفيين؟ لذلك سأضمن أنكم ستفهمونها "طايرة" لما أقولها بالمجاز، وستدركونها طرية لما سأقولها بالحقيقة. وشرطي لكم أن تتسامحوا معي وتثقوا في أعشابي وتوابلي فلن أعطيكم إلا "راس الحانوت"، ولن تحتاجوا إلا قليلا من "جاوي" التفكير والتأمل يكفيكم أن تبخروا به تطاون كلها تأملا وتفلسفا وتمدنا. هذا شرطي وأقول لكم " الشرط في الفدان ولا الخصومة في النوادر". وقبل هذا وذاك علي أن أتساءل معكم جملة أسئلة أراها ضرورية قبل الخوض في موضوعنا ومنها: "لم الفلسفة؟" و لم المدينة؟ وما هي الفلسفة وما هي المدينة؟ وما العلاقة بينهما؟ ما الداعي إلى الفلسفة، ومن ثم إلى التفلسف؟ وما الداعي إلى المدينة، ومن ثم إلى التمدن؟
الجواب بسيط ومعقد في نفس الوقت: (ولو أنا سنضرب بعرض الحائط بإحدى شروط التفكير المنطقي كما أسس لها الشيخ اليوناني أرسطوطاليس ونقصد بذلك مبدأ عدم التناقض) بسيط من حيث أن الفلسفة ضرورية، ومعقد من حيث تحديد طبيعة الفلسفة الـّتي نقتضي ضرورتها. فمن حيث بساطته، إن الفلسفة ضرورية لأنه في غياب التفكير لا نقتدر على التدبير بأي حال من الأحوال. ليس هناك تدبير خال من التفكير مهما كانت سفاهة التفكير الـّذي أنتجه. ضرورة الفلسفة آتية من ضرورة العقل، والعقل مرتبط بالحرية وبالإرادة وبالمسؤولية، وإلا فالأمر كله محض عماء وفوضى و"كاوس" مطلق. نحن نحتاج إلى الفلسفة لأنا نحتاج إلى العقل حتـّى ننتظم في مشروع، وننخرط في قيم، ونحافظ على توازنات، ونبني السلام، وننشئ الاجتماع، ونؤسس المدينة. تخيلوا مدينة بلا عقل كيف تكون؟ لا بد أنها ستكون مثل الجحيم؛ لأن الرغبة هي الـّتي ستبسط عليها سلطتها، ومن ثم فالحرب هو مصيرها لا محالة. وإذن لن نكون بصدد مدينة بقدر ما سنكون بصدد خراب. ضرورة الفلسفة إذن من ضرورة المدينة، ومن ثم فضرورة التفلسف من ضرورة التمدن. هل في وسع أحد منا بعد أن استعذب حلاوة المدينة أن يعود فيعيش في مرارة الخراب؟ هل منا من إذا استعذب حلاوة التمدن أن يعود القهقرى إلى التبدد؟ ثم إن السبيل إلى السعادة لا يأتي إلا من انتهاج طريق التفلسف كما كان يعتقد القدامى من الحكماء ونحن على طريقهم. هذا من حيث بساطة الجواب، لننظر الآن إلى الجانب الـّذي قلنا إنه معقد بعض الشئ، ونقصد بذلك أن طبيعة الفلسفة الـّتي نسعى إلى الدعوة لها. لا شك أن الفلسفة المقصودة هاهنا هي الفلسفة المرتبطة بالمدينة، من حيث هي فضاء عيشها ومرتع نمائها. لا فلسفة بلا مدينة، ولا مدينة بلا فلسفة. الفلسفة المراد اصطناعها هاهنا هي الفلسفة الداعية إلى تمدن المدينة، ونماء الإنسان فيها وارتقاؤه إلى أسمى درجات الإنسانية بعد أن كاد يعدم إنسانيته داخل "فلسفة البطون"(تأملوا معي هذه الكلمة بدون شكل: قد تعني البطون جمع بطن، وقد تعني بطون أي الإسمنت المسلح وفي كلتا الحالتين تفيد معنى التشيؤ والمادية وغياب الإنسان عن إنسانيته) والحال أن الفلسفة الموجودة-وهي حقا موجودة باعتبارها فلسفة عادمة للمدينة وقاتلة لها ومبددة لها- هي فلسفة التبدد. إنها الفلسفة الإرهابية التي ترهب سلام المدينة، وتتربص بإنسانية إنسان المدينة، أي الفلسفة الـّتي تفسد الإنسان وتخرب العمران. انظروا إلى الخراب الـّذي حل بالإنسان والعمران في مدينتنا: العنف المادي والمعنوي الـّذي يمارس على الإنسان يوميا، عنف البترينات وعنف السيارات وعنف الفضائيات وعنف الرغبات وعنف الحاجات...تضاف إليه مظاهر التبدد الباذخة. أي إنسان بعد هذا سنطلب "تنميته" و "تكريمه" و "تعليمه" و "تطبيبه"؟ جثـّة هامدة تسير إلى حتفها في دورة عبثية من التعب والكدح والرغبة والكبت والإحباط والتسامي.... واصبروا علي قليلا؛ فستتوضح لنا أكثر ضرورات الفلسفة، ومن ثم ضرورات التفلسف لما نأتي على الحديث عن الداعي إليهما. ونستطيع القول منذ البداية، إن الداعي إليهما هو غياب التفكير السليم في المدينة، والتمدن السليم وفق الفلسفة. ونزيد فنقول: إن الأمر يتعلق بقضية من الواجب الدعوة لها، ومن ثم من الواجب نصرتها، وهي قضية التفلسف وقضية التمدن. 2. ما هي الفلسفة الـّتي نتغياها؟ أ- ليس غرضنا استعراض تعاريف للفلسفة -مما يمكن الوقوف عليه في أي كتاب مدرسي لتدريس أم العلوم- بل إن غرضنا هو تقديم تعريف للفلسفة ينسجم وما نحن بصدده من دعوة إلى تفكير سديد من أجل تدبير رشيد. ولكنا لن نفوت الفرصة على أنفسنا ونحن في حضرة "الشعب"، أن نناقش قليلا صورة "شعبية" عن الفلسفة كثر لغطها، برغم غياب أسبابها، وموت دواعيها، وضعف حججها، وتهافت مصادراتها، فنطمع في القضاء عليها، أو على الأقل دفع أصحابها إلى إعادة النظر فيها على ضوء العناصر التفكيرية الـّتي نقدمها لهم: ب- أولى تلك الصور ما يتعلق منها بتسمية الفلسفة "تفليسة" و "التفلسف" "تفلسا" لما يشقق بعض العامة- وبعض الخاصة أيضا- من هذا اللفظ الدال على الإفلاس في الفصحى ما يخدم دعاويهم في إرهاب من يرونه مختارا لسبيل الفلسفة أو التفكير عموما. ولما كان لفظ "التفليسة" من الألفاظ الدارجة الدالة على ما هو مستهجن لدينا أخلاقيا واجتماعيا، بتنا نرى من ينفر من الفلسفة ومن أهلها بسبب "تفليستهم"، وخشية أن يفلس من يصاحبهم؛ كأن التفليسة لا باب لها إلا الفلسفة، وليس النفاق الاجتماعي، أو الجهل أو الأمية أو الكذب أو اللامبالاة... وسائر الأمراض الاجتماعية الـّتي تشكو منها مدينتنا عموما. ت- وقد تجد من يشنع على أهل الفلسفة فيغمزهم من وراء ألفاظ مثل "التفلس" أو "التفلسف" ويقصدون به "طلب الفلس" أو المال لعبا بالألفاظ، أو وصفا لحال بعض أهل الفلسفة أو المنتسبين إليها عن باطل، ممن يعرف عنهم شغفهم بالمال، وطلبه عبر سبل التملق والتزلف وما يشين من أفعال وسلوكات. ث-ثاني تلك الصور، أن العامة، ومعهم كثير من الخاصة، وخاصة الخاصة لدينا، إذا سئموا شخصا رأوا منه إلحاحا في طلب حقه، أو إبداء رأيه، أو سعيه إلى إبداع اختيار شخصي، أو لمجرد أنه يخالفهم الرأي، أو اتبع سبيل التمثيل أو التجريد، قالوا عنه بأنه "يتفلسف"؛ وهذا وحده كاف لكي يجعله سخرية في نظر الناس أجمعين. والظاهر أن الناس تعودوا على التفريط في الحق، أو السكوت عنه، أو عدم إبداء الرأي، أو عدم القدرة على إبدائه، أو أنهم جمدوا على التقليد، أو ألفوا أن يقال لهم "نعم أسيدي" دون مناقشة، أو تعودوا السطحية في الكلام والسلوك. لقد تعودوا ذلك كله، فإذا لقوا من يسلك سبيل ما قلناه سخروا منه أشد السخرية. (وقد حدث مرة أن تلفزة الرباط أذاعت وصلة إشهارية بهذا المعنى كرست به، وهي جهاز تربوي على أية حال، ذلك المعنى البئيس عن الفلسفة وأهلها). ج- ثالث تلك الصور، أنه وقع في ظن كثير من الناس، وخاصة الطلاب والتلاميذ الذين من المفروض أنهم خلو من هذه الأحكام القبلية، أن أهل الفلسفة "ملاحدة" وزنادقة" وحديثا "كفرة" (بعد أن ابتلينا بأحكام غير متحضرة تماما مثل "التكفير" و "التخوين"). وإذا كان حدث أن بعض المذاهب الفلسفية صريحة في إبداء لاأدريتها أمام مسألة الألوهية، أو واضحة في رفضها لسلطة الكهنوت، أو مستقلة في اعتمادها على مصدر ثان في تحصيل الحقيقة غير المصدر الديني، فإن الناس عمموا-في عملية فلسفية وعلمية بامتياز- على الفلسفة رأيا مفردا فيها، ونظروا إليها على أنها محض إلحاد، وغاب عنهم أن في الفلسفة مذاهب تدافع بالبرهان عن الألوهية، وتحتج بالعقل على ضرورة الدين، وتصطنع البرهان لبيان الحاجة إلى الخلاص الروحي. وفي رأي بعض الناس أن أهل الفلسفة إذا كانوا ملاحدة، فهم بالضرورة "زنادقة" أي أشخاصا منحلين أخلاقيا. والحال أن الزندقة تعني إنكار النبوة فحسب دون الألوهية؛ فقد تجد المشتغل بالفلسفة مؤمنا بالله منكرا النبوات؛ اعتبارا لاعتقاده أن العقل قادر على الاتصال الفعال والمباشر بالله بلا وساطات. أما أن يكون منحل أخلاقيا، فهذا ليس صحيحا إلا في حالات تتعلق بالشخص ذاته وبسياقه الاجتماعي والتربوي، وليس لأنه يشتغل بالفلسفة. وعلى أية حال، فهذا بعيد الحصول لدى من يشتغل حقا بالفلسفة، باعتبارها قضية أخلاقية أساسا، لا مهنة أو حرفة يتقاضى عنها مقابلا آخر الشهر. هذا يسمى موظفا وليس فيلسوفا، أو متفلسفا، أو مشتغلا بالفلسفة. وأما مسألة كون الفيلسوف "كافر"، فهذه أحكام تقتضي كثيرا من التدقيق إذا صحت؛ لأن الفيلسوف قد يشكك في مسألة الكفر ذاتها لا بالمكفور به، وقد يشكك في شرعية المكفر أيضا. فمن قال عن الفيلسوف كافر والرجل يؤمن بمجموعة من الحقائق، أو على الأقل يؤمن بوجودها في مكان ما، ولكنه لم يصل إليها بعقله بعد. الإيمان موجود قد يكون بالعقل أو بالإنسان ذاته أو بقضية ما. بقي أن ندقق في مسألة الكفر بالله أو بالدين. أولا قد يرد الفيلسوف أن هذه المسألة غير سليمة من حيث طرحها؛ لأن تصور الألوهية يختلف من فرد إلى فرد، وحتى هذا الـّذي يمكن أن يكفر قد يسقط في حيرة من أمره إذا طلب منه أن يعرف الله لأنه إذا فعل سيمارس الفلسفة، ومن ثم سيسقط في نفس الكفر الـّذي يظن أن محاوره أو مخاطبه أو متهمه قد سقط فيه. وثانيا لأن الدين أديان؛ فقد تكون الفلسفة دين قبلتها التفكير وإلهها العقل. وقد رأينا كيف أن العقل صار "صنما" في القرن الثامن عشر حتـّى سمي ذلك القرن بـ"عصر الأنوار"، كل شئ فيه قابل للعقلنة وكل شئ فيه معقول كما علمنا هيجل. وثالثا لأن الدين الـّذي نفترض أن الفيلسوف يعتقد فيه هو دين التحرر لا دين التبعية، أو دين التفكير لا دين التقليد، أو دين المعارضة لا دين السلطة، "صرخة المضطهدين" لا "أفيون الشعوب" كما علمنا ماركس. كل هذه الاعتراضات سقناها لكي نبين كم هي متهافتة بعض الأحكام الـّتي تصدرها العامة حول الفلسفة. كما سقناها لكي ننبه إلى صورة سيئة عن الفلسفة وأهلها في مدينتنا. ولنلاحظ أن من يصدر هذه الأحكام فئة أمية لا علم لها بالفلسفة إلا بالسماع، فكيف تحكم على شئ لا تعرفه، ومن ثم نثق في أحكامها على الفلسفة وأهلها. ح- كما أن بعض العامة تعتقد أن المشتغلين بالفلسفة "مجانين" و"حمقى"، وأن سبب حمقهم هو الفلسفة. وتكفي الإشارة إلى أن من نعدهم مجانين وحمقى يرددون دائما أنهم عقلاء والآخرون حمقى. ويبدو أن الفقهاء أيضا تعرضوا في وقت ما إلى نفس التهمة؛ فقد أدركنا أناسا من الفقهاء جنوا بسبب "الحمزية" في نظر بعض الناس، ولسنا نفهم ما تكون هذه الحمزية إلا كتابا في التفسير أو في الفقه أو في أصوله لأحد الفقهاء أو المتكلمين. لا تستطيع العامة إدراك أن الحمق إذا حدث فعلا قد يكون بأسباب نفسية أو اجتماعية؛ لأنها تنظر إلى المشتغل بالفلسفة كما لو أنه معلق في السلة مثل سقراط كما صوره ساخرا أرسطوفان اليوناني في "مسرحية السحب"، ويغيب عنها أنه مثله، مثل أي فرد في المجتمع، قد يتعرض لاضطرابات نفسية وأزمات عصبية؛ لاسيما إذا كان يدرّس الفلسفة بأجر ضئيل، وساعات مضغوطة، وأقسام تتجاوز الخمسة أقسام في حجرة ضيقة عدد تلامذتها يتجاوز الأربعين، أو في كلية سوق الكتابة المدرسية في الفلسفة كاسد بالنظر إلى المطبوعات المدرسية في القانون أو التاريخ الـّتي يفرضها أصحابها بالإكراه على الطلبة. والحال أن ما يحسبه الناس حمقا قد يكون عين العقل؛ لأن الفيلسوف يقول رأيه والناس لا، الفيلسوف يبحث عن الحقيقة، والناس لا، الفيلسوف يعمل بما يفكر والناس لا، الفيلسوف يصدق والناس تكذب، الفيلسوف صريح والناس منافقون... ثم كيف يمكن أن تكون الفلسفة مؤدية إلى الحمق وهي كلها علم وعقل؛ اللهم إلا إذا فرضنا أن الفيلسوف وصل إلى أقصى درجات التعقل مما يصير معه عرضة للجنون في نظر الناس.(مثال المصور الهولندي "فان خوخ" الـّذي قطع أذنيه وقدمها هدية إلى حبيبته؛ فإن صدقت الحكاية يكون الرجل هو العاقل الأكبر، لأنه استطاع أن يؤكد كم محبته عظيمة لحبيبته، أو لعله إذا كان مجنونا قد يعبر بذلك عن نوع جميل وغير معتاد في الحب وهو المقترن بالتضحية وبالعطاء حتـّى في أخص خصوصيات الإنسان وهي أذنه الـّتي يسمع بها صخب العالم ) ألا يكون ذلك الجنون هو عين العقل أو هو مرتبة فاقت العقل نفسه؟ والناس قد تظلم الفيلسوف حين تتهمه بالجنون لأنه في الواقع لم يخرق مبدأ منطقيا، بل خرق سلوكا متفقا عليه، أو خرق ميثاقا، وبالأحرى يكون اتهامه بالخيانة وليس بالجنون أقرب إلى منطق الأمور. كثيرا ما تتهم العامة بعضها البعض بعدم التفكير أو بالجنون، مع أن الأمر في عمقه محض اختراق لعوائد سلوكية وتقاليد اجتماعية، وليس اختراقا لقواعد منطقية. وكم هو بؤس العامة الذي يستدعي كثيرا من الشفقة حين تتهم الفيلسوف بأنه مجنون أو كافر أو ملحد، ثم ترسل فلذات أكبادها لكي يدرسوا على يديه علوم الإلحاد وفنون الكفر وأساليب الجنون. فهم يفعلون ذلك إما خوفا من بطش الدولة؛ لأن المدرسة تابعة لحكمها، أو لأنهم غافلون أن فلذاتهم يدرسون مادة اسمها الفلسفة، أو لاعتقادهم أنهم يدرسون الفكر الإسلامي فيقع في ظنهم أن أولادهم لا بد أن يحدث لهم توازن مفترض بين الإيمان والكفر، أو تغلب متوقع للإيمان على الكفر. خ- ثم هناك صورة أخرى تسيئ إلى الفيلسوف أيضا أو أستاذ الفلسفة عموما، وهي وصفه بأنه رجل متسخ -بالحقيقة لا بالمجاز- والحال أن هذا من غير المعقول في الفلسفة؛ لأنها تعي أن الأوساخ صحيا نوع من الخلل الـّذي يصيب الجسد بالأورام والأمراض أو بـ"الحكة". النظافة مبدأ عقلي قبل أن يكون سلوكا اجتماعيا. إنه إحدى السبل الـّتي يسلكها المرء لكي يحافظ بها على كرامته الإنسانية، ومن ثم يكرم بها جسده كما يأمره به عقله. النظافة مرتبطة بالكرامة وهذا درس فلسفي أخلاقي بامتياز. وجد بعض المشتغلين بالفلسفة يمتلكون "ثقافة الأوساخ" واعتبروا في ماضيهم الطلابي أن الأوساخ قيمة نضالية، أو لأنهم على قطيعة دائمة مع الحمام حتـّى وهم في محيطهم الاجتماعي، ولا ثقافة لـ"الدوشة" لديهم، فدأبوا على أن يكونوا وسخين في مظهرهم، وأرجع العامة الأمر إلى الفلسفة، حين رأوهم على حالهم، والفلسفة من أوساخهم بريئة.
يجب أن نقول إن جزءا من هذه الصورة راجع إلى تاريخ من الصراع بين اختيار سياسي أراد للعقل أن يحكم البلاد، وبين اختيار سياسي أراد أن تحكمه "الأهواء" فكان أن دس الثاني للأول، وأشاع عنه ما مرّ بنا من تهم وأوصاف وصور. إنها "امبراطورية الكذب" كما سماها مرة الفيلسوف الإسباني "خوسي اورتيغا إي غاسيت"، ولو أن الصراع بين الفلسفة والناقمين عليها صراع قديم بدأ منذ أن استعدى أحد الدباغين السلطة على سقراط فحكمت عليه بالموت، أو منذ أن أصدر الفقيه الشهرزوري فتواه الشهيرة بتحريم الاشتغال بالمنطق قائلا "كل من تمنطق تزندق"، أو لما دس على السلطان الموحدي من يغريه بأبي الوليد بن رشد فنفاه إلى قرية "أليسانة". أما الآن فالصراع له وجه آخر، ولسبب ما بدأ تقريب أهل الفلسفة، وتوسعة حصص تدريسها، ودعوة معلميها إلى إعطاء دروس في "التسامح"، و"حقوق الإنسان"، و"التربية على المواطنة". هل يتعلق الأمر بحصان طروادة لتصفية حساب من الحسابات الجديدة في الصراع بين الأهواء والعقل؟ ومع ذلك فما تزال هناك راسخة تلك الصورة السلبية الـّتي تم تشكيلها حول رجل الفلسفة حتـّى باتت تطارده كاللعنة. لا يمكننا إذن الحديث عن ضرورة التفلسف وضرورة التمدن وهذه الصورة السلبية عالقة في أذهاننا. سيكون من عدم المروءة أن ندرس الفلسفة ونحن نتهم أصحابها بتهم ليس لدينا عنها سوى قليل من المقدمات المشهورة، والحجج المتهافتة والضعيفة. بل سيكون من عدم الشهامة الاستماع إلى أهل الفلسفة ونحن نتهمهم في دينهم وأخلاقهم، ونستفظع ما يمكن أن يكونوا عليه من عقيدة وطنية أو دينية أو اجتماعية تخالف ما لدينا. ينبغي أن نتخلى عن تلك الصورة السلبية، وندرك أن التفلسف هو الممارسة الحقيقية للمواطنة (ولو أن هذا موضوع آخر لنا فيه نظر) فلنقدم ما نراه تصورنا للفلسفة في هذا المقام مفهومة في ارتباطها بالمدينة. فما هي الفلسفة عندنا؟ الفلسفة عندنا هي "التفكير في المكان من أجل إسعاد الإنسان" .قد يبدو للبعض أن هذا التعريف مشحون بالميتافيزيقا بقدر عظيم من التجريد. قد يكون الأمر كذلك، ولا غرابة إذا علمنا أن معظم أعمالنا، من عظيمها إلى صغيرها، إنما تحتل في عمق الميتافيزيقا مكانة راسخة. ولا يضيرنا هذا ما دام في وسعنا العيش واقعيا بقدر كبير من الميتافيزيقا. ألسنا كائنات ميتافيزيقية نعيش المستقبل، والمستقبل هو الكينونة الميتافيزيقية بامتياز؟ لكن ما يمد تعريفنا بقدر قليل من الواقعية هو المسافة الـّتي تمتد من التفكير إلى السعادة، أو تمتد من المهمة إلى الغاية. إن الفلسفة عندنا هي تفكير في المكان، ولكن أيضا تدبير له في الزمان، ومن ثم طلب إسعاده فيهما معا. ولكي تتحقق هذه الغاية، لا بد من وسائل علمية ومادية بها يتم التوسل إلى إسعاد الإنسان: أن نهيئ له مكانا كريما. وما المكان الكريم الـّذي يمكن للمرء أن يهيئه للإنسان إن لم يكن بيتا ملائما لكرامته، وعملا معيلا لعائلته، وخدمات مواتية لضرائبه، وترفيها مناسبا لمجهوده، وفضاء جميلا مناسبا لتمتعه؟ إنا إذا فهمنا المكان بهذا المعنى، باعتباره المدينة الـّتي يعيش فيها الإنسان، سنكون أمام مشروع فلسفة مدنية تفكر في المكان من أجل الإنسان، أو فلسفة عملية تسعى لإسعاد الإنسان: تنميته، تعليمه، تطبيبه، تجميله، تكريمه... أو بكلمة واحدة إسعاده. لقد حازت هذه الكلمة -السعادة- حيزا كبيرا في الأدبيات السياسية في الشمال لدى الحركة الوطنية لما كان لسياسيينا الوعي الكلي، أما الآن فالأمور تغيرت، وصارت اللفظة ساكنة في غرف التفكير الفلسفي، ولم تبرحها إلى ميادين التدبير العملي. بتنا نكتفي بالديموقراطية أو التقدم أو الحرية، ولم نعد نناقش لم نحتاج كل هذه الأشياء؟ أليس لكي نكون سعداء؟ أو قصرت بنا الهمم حتـّى بتنا لا نطلب المعالي، ونطلب الوسائل دون الغايات؟ إن الفلسفة الـّتي تفكر في المكان من أجل إسعاد الإنسان، لا تنسى الإنسان من تفكيرها، فهي لا تسعى إلى تهيئة السعادة له في المكان قبل أن تجعله سعيدا هو في ذاته، في عقله، وفي قيمه، وفي سلوكاته. إن غايتها هي أن تجعل من كيمياء الإنسان منسجما مع فيزياء المكان في ارتباط قوي لا تنحل عراه. والمقصود بذلك أن تهيء هذه الفلسفة الإنسان الـّذي يعيش في المكان، ويفكر في المكان، ويتدبر أمره في الزمان حتـّى يحقق ما يسعى إليه ولا يعرفه: السعادة. هنا لا بد من التفكير في النموذج المراد تقديمه له، أو على الأقل تحفيزه على إبداع نجمته القطبية لكي يسير على هديها في مغامرته الجوهرية نحو التمدن ونحو السعادة. هذه هي الفلسفة الـّتي ترتبط إذن بالمكان، وبالمدينة وبالزمان، وهي الفلسفة الـّتي نسعى من ورائها إلى التمدن. ليست هناك من ضرورة للتفلسف إلا من أجل ضرورة التمدن. التفلسف والتمدن كلاهما وسيلة من أجل غاية مشتركة وهي السعادة. لئن كان التفلسف هو الوسيلة الـّتي تسعى إلى غاية التمدن، فإن التمدن هو الوسيلة الـّتي تسعى إلى غاية بعيدة وهي السعادة. ومنذ الآن ينبغي أن نعيد النظر في لفظ كهذا، ونخرجه من "سيبة" الفهم والإدراك وندخله سور "المدينة العتيقة"، لا لكي نعتقله، بل لكي نحرره من فوضى التحديد، وندخله في التاريخ. إذ يكفي أن الفلسفة جعلته بمثابة الخير الأعظم الـّذي لا خير ينال به، ولا كمال يحصل بعده كما هو الأمر عند أبي نصر الفارابي في "كتاب السبيل إلى تحصيل السعادة". 3. لم المدينة؟ ربما كنا نثير هذا السؤال على الرغم من بداهته، لأنه لا يخطر لنا على بال. وربما إن فضيلة التفلسف هي تعليمنا كيف نلتفت إلى الأشياء الـّتي لم يتم الالتفات إليها، مع أنها قريبة منا بكيفية مدهشة. حقا نحن نعيش في المدينة، ولكن هل لدينا وعي مدني؟ هل استطعنا أن نبلور نمطنا في التمادن، أي نمطنا في الانتماء إلى المدينة؟ ربما نحن نعيش في المدينة بعقلية البادية، ولا أقصد بالبادية هاهنا الطبيعة والمكان، بقدر ما أقصد القيم والزمان. ما هي قيم المدينة إذن؟ إننا إذا تعرفنا على قيم المدينة، استطعنا الجواب على سؤال لم المدينة؟ القيم الـتي نقصدها هاهنا هي قيم الإنسان الـّتي ترتقي به إنسانيا، ومن ثم فالمكان لا يمكن أن يعني شيئا مادام الإنسان يحمل معه قيمه ولو في القرية. إنا مطالبون إذن بالعيش في المدينة لكي نحافظ على إنسانيتنا من حيث أن المدينة تهيئ لنا نسبيا وسائل الراحة الـّتي تكفل من جانب آخر كرامة الإنسان فينا. ينبغي أن نتغلب على فكرة "التمارة" (الكدح أو العناء أو بذل المجهود العضلي...) الـّتي ترتبط بعملنا، فنتوجه إلى التفكير في الراحة والرفاهية مرتبطة بالعمل: كيف يمكن الاشتغال بعقلية "الراحة" وليس بعقلية التمارة؛ لا سيما في قرانا الـّتي ما تزال أغلبها خارجة عن التاريخ رغم أنها قريبة من الغرب؟ (مثل حالة بعض القرى في ثلاثاء تغرامت بضواحي تطاون؟) في الغرب الناس يفكرون في العمل ليس لكونه مرتبطا بالكدح، ولكن لكونه مرتبط بالوسائل الـّتي تجعله متعة. في المدينة قد توفر لنا بعض الوسائل الـّتي قد نتغلب فيها على التمارة ونربح الراحة انتصارا لإنسانيتنا فقط. نختار المدينة من حيث هي قيم، لا من حيث هي مكان، ونحن ضد "البادية" من حيث هي زمان أي دعوة إلى التبدد والتأخر في السياسة والأخلاق والسلوكات. لا أعتقد أن أحدا تأمل المغزى العميق لهجرة النبي صلى الله عليه وسلم من القرية، أم القرى، إلى المدينة المنورة، يثرب. الهجرة مليئة بمعاني التقدم: الهجرة تمت من القرية إلى المدينة، من التأخر إلى التقدم، ومن التبدد إلى التمدن. لست أعرف سبب الدعوة إلى التبدد لدى بعض الناس مع أن مستقبل كرامة الإنسان في المدينة وليس في البادية. هناك حديث للرسول يقول فيه ما مفاده "تبددوا واخشوشنوا فإن الحضارة لا تدوم". لست أقطع الآن بصحة هذا الحديث، حتـّى إذا صح فالمقصود به- انطلاقا من حيثيات أخرى في حياة النبي( كالطيب والنساء والصلاة، وهي من أخطر أبعاد الحياة المدنية المعنوية والمادية) هي تذكر الآخرة، والعمل الصالح وعدم نسيان أن الحياة الدنيا فانية، وأنا مستأمنون فيها لكي نعمل صالحا مصداقا للحديث المأثور عن النبي الكريم: "اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا". ليس هذا الحديث إذا صح دعوة إلى التبدد والخشونة، بل هو دعوة إلى القيم الوسطية المعتدلة الـّتي تأخذ من الدنيا بنصيب، وتأخذ من الآخرة بنصيب، ومن ثم تثمر القيم المدنية مثل التسامح والتعاون والحرية...ربما قد يكون الجواب على هذا السؤال البديهي: لم المدينة؟ بالقول لم الإنسان؟ فإذا كان من المستحيل التخلي عن الإنسان، فإنه من المستحيل أيضا التخلي عن المدينة باعتبارها تقدما إلى الأمام، وليس تراجعا إلى الخلف. إذا كان أرسطو في السياسة قد قضى بأن الإنسان حيوان سياسي بالطبيعة، فإنا من الممكن القول إن الإنسان حيوان مدني بالصيرورة: فمستقبل الإنسان هو المدينة.هنا لا بد من الوقوف لكي نعرف المدينة، حتـّى ندرك أي مستقبل ينبغي أن ينخرط فيه الإنسان لكي يرتقي في إنسانيته درجات... فما المقصود بالمدينة الـّتي نتغياها؟
4. ما هي المدينة الـّتي نتغياها؟ لقد سبق لكثير من متفلسفة الإسلام مثلا -والفارابي على رأسهم في كتابه "آراء أهل المدينة الفاضلة"- أن تحدثوا عن المدينة فجعلوا "الخير الأفضل والكمال الأقصى إنما ينال أولا بالمدينة، لا باجتماع الـّذي هو أنقص منها " مثل القرية أو المحلة أ |