استئنافا لـ" الأيام الفلسفية الرمضانية الأولى" التي تنظمها "الجمعية الفلسفية التطوانية AFT"، كان موعد الجمهور التطواني المثقف مع محاضرة الأستاذ عرفة بلقات حول "مظاهر التجديد في الخطاب المقاصدي عند الشاطبي" مساء الإثنين 9 أكتوبر الجاري بقاعة احمد المكناسي بالمكتبة العامة والمحفوظات في تطوان.
في بداية المحاضرة، تناول الكلمة الأستاذ محمد بلال أشمل، فعرف الجمهور بالأستاذ المحاضر، وبدائرة انشغالاته العلمية بالعلوم الشرعية والأصولية؛ ولا سيما اهتمامه بالخطاب المقاصدي لدى الإمام الشاطبي خصوصا، ونظرية المقاصد عموما. ثم بعد ذلك أخذ الكلمة الأستاذ المحاضر فاستحسن بدء محاضرته بالتساؤل عما إذا كان الشاطبي فيلسوفا تواؤما مع مقام الجلسة العلمية والفلسفية التي تغيتها "الجمعية الفلسفية التطوانية"؛ فانتهى إلى تأكيد تساؤله انطلاقا من المدى الفلسفي الذي تقرر عند صاحب "الاعتصام" في تحليله اللغوي حتى كاد يصير أحد السباقين إلى فلسفة التحليل اللغوي كما هي عليها مع أركانها المعاصرين، على الرغم مما أشار إليه الأستاذ المحاضر من موقف الشاطبي من الفكر الأرسطي الخارج عن مقتضيات التداول العقائدي واللغوي العربي.
وكاستهلال لرصد بعض مظاهر التجديد في الخطاب المقاصدي لدى الشاطبي، أشار المحاضر إلى صعوبة مباحث "الموافقات"، نظرا للعمق التجديدي الذي احتملته، حتى انه لم ير أحدا من النظار من وفق في ضبط مقاصده، واقتدر على النفاذ إلى معانيه أكثر من الشيخ الدراز الذي حقق متن الكتاب فكان محققا ودارسا للنظرية المقاصدية لدى هذا العلم الفذ في تاريخ علم الأصول. ثم تناول الأستاذ المحاضر بعض الباحثين الذين تناولوا نظرية المقاصد الشاطبية أمثال عبد المجيد النجار في كتابه "المنهج التطبيقي للشريع الإسلامية"، و "فصول في الفكر الإسلامي بالمغرب"، واحمد الريسوني في كتابه " نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي"، مشيرا إلى غيرهم امثال التركي والطاهر ابن عاشور وعلال الفاسي. وبعد ذلك عكف الأستاذ المحاضر على استخراج معالم التجديد في الخطاب المقاصدي لصاحب الموافقات، فرآه في مواطن ذكر من بضعها لغته الأصولية الجديدة، وتقسيماته المنهجية المعتبرة، وتأويله المتميز للمصطلح الشرعي، ومنهجيته التحليلية الفذة، ومفاهيمه الأصولية المتضمنة لمعان جديدة مثل مفهوم الاستقراء، وومفهوما الجزئي والكلي، ومفهوم المصلحة الذي يأخذ لديه موقعا مركزيا في نظرية المقاصد، ومناقشته لخطاب الوحي إلى غير ذلك من مواطن التجديد التي حققها الشاطبي في بحث مقاصد المكلف، ومقاصد الشارع، وسنه منهجية جديدة خص بها مبحث المقاصد وطريقة كشفه بمؤلفين فريدين في بابهما، حتى ساقته إلى احداث قطيعة إبيستيمولوجية بين البحث المقاصدي قبله وبعده في إشارة إلى أطروحة الجابري في "بنية العقل العربي".
وفي ختام المحاضرة، تناول جمهور الباحثين والمثقفين الكلمة، فتساءل الدكتور احمد المطيلي عن موقع الإمام الشاطبي في تاريخ الأفكار؛ معيبا على تاريخ الفلسفة انتقالها التعسفي من الإغريق إلى الغرب المسيحي دون الوقوف على الفترة العربية الإسلامية التي يوجد فيها الشاطبي وغيره من المفكرين العرب المسلمين بإسهاماتهم الممتازة في تاريخ الأفكار. وأكد الأستاذ عبد الرحمان العمارتي ما ذهب إليه الأستاذ المحاضر من النزوع الفلسفي لدى الشاطبي، ولكنه ذﱠكر بما كان ذهب إليه الشيخ مصطفى عبد الرازق في كتابه "التمهيد" إلى أن العطاء الأساسي للمفكرين المسلمين إنما تمثل في علم الأصول؛ لأن هذا العلم هو الأكثر التصاقا بالطابع الحضاري واللغوي والثقافي للمسلمين، ومن ثم هو الأكثر دلالة على أصالتهم. وأرجع الأستاذ سعيد زبيدة تلك النقلة من الإغريق إلى الغرب المسيحي إلى المركزية الأوروبية التي جعلتها لا تنظر إلا إلى نفسها نافية غيرها؛ لذلك أكد ما كان الأستاذ حسن حنفي دعا إليه من ضرورة جعل الغرب موضوعا للدراسة في "علم الاستغراب" كما جعل هو الشرق موضوعا لها في "الاستشراق". وتساءل الدكتور حسن الغشتول عن مشروعية الخطاب المقاصدي في الوقت الحاضر، ملاحظا أن الخطاب المقاصدي لصاحب الموافقات كان خطابا منظما ولم يكن خطابا "فوضويا" أقامه على منهجية مضبوطة، مضيفا أن أهم مفهوم لديه هو مفهوم "العبادة"، علاوة على مفاهيم أخرى داخل نظريته في المقاصد. وكرر الأستاذ محمد السعدوني التساؤل عن مغزى الاهتمام بمقاصد الشريعة، ومستفسرا عن أسباب غياب تام لمفهوم كرامة الإنسان كمفهوم كان من المفروض أن ُتدار عليه الأبحاث أكثر من غيره، داعيا في كلمته إلى عقد المقارنة بين نظرية المقاصد وبين مذهب المنفعة نظرا للتماثل الكبير بينهما على مستوى مفهوم المصلحة. ولاحظ الأستاذ مبارك وجود نوع من الاستغلال السياسي للإمام الشاطبي من لدن بعض الحركات الإسلامية؛ متسائلا عن مدى صواب التوجهات التي تعمل من استلهامها لصاحب "الاعتصام" على تأصيل الحياة السياسية بكل برغماتيتها. كلمة الأستاذ المحاضر في ردوده كانت تأكيدية لمجمل ما ذكره الأساتذة، سوى بعض الإضافات والتوضيحات التي لم يكن يسمح بها الوقت نظرا لاستيفاء المحاضرة وقتها القانوني والمؤسسي.
وفي ختام الجلسة، شكر الأستاذ محمد بلال أشمل الأستاذ المحاضر، والسادة الأساتذة المساهمين في المناقشة، وكافة الحضور، وكذا المسؤولين عن القاعة وكل من ساعد في تنظيم اليوم الثاني من الأيام الفلسفية الرمضانية مذكرا بالموعد الثالث مع محاضرة الأستاذ خالد الرامي حول موضوع "الماء والمقدس" يوم الاثنين الموالي 16 أكتوبر 2006.








