Wednesday, February 03, 2010

ذة. رشا ماهر البدري
"رؤية شتراوسية للماكيافيللية"/ رشا ماهر، كلية الآداب- القاهرة
ترسيخا للصلات الفكرية والعلمية بين جمعيتنا وسائر الباحثين في العالمين العربي والإسباني والأمريكولاتيني، تفضلت مشكورة الباحثة الصديقة الأستاذة رشا ماهر البدري من قاهرة المعتز(كلية الآداب/ جامعة القاهرة) وأرسلت إلينا هذا البحث الذي سبق ونشرته بالعدد الحادي والعشرين لسنة 2008 من مجلة "أوراق فلسفية: مجلة فلسفية علمية محكمة" الصادرة بأرض الكنانة.
أولًا: مقـدمــــة
كطريقة من طرق معالجة الواقع الاجتماعي، والسياسي، والاقتصادي تتم بناء مدن فاضلة قائمة على قاعدة ما ينبغي أن يكون، كمدينة أفلاطون وتوماس مور وابن طفيل والفارابي... وغيرهم. لكن هنالك بون شاسع بين ما هو واقع وما ينبغي أن يقع.. بين كيف يعيش المرء، وكيف ينبغي عليه أن يعيش.
هذه هي القاعدة الجوهرية التي بنى عليها ليو شتراوس (1899/1973) قراءته التحليلية لأفكار نيقولا ماكيافيللى(1469/ 1527) في مقال له بموسوعة تاريخ الفلسفة السياسية() فيبدأ الحديث عن معنى الفضيلة وجدواها، واهتمام البشر بالبحث عنها ضمنًا دون استخدام اللفظ -كقولهم "خاصية الحياة" أو "المجتمع العظيم" أو "الأخلاقية"...إلخ- وازدهارها في العصر اليوناني تحت نمط النخوة أو "الشهامة" والبعد عن "الإحساس بالخجل"، لأنه يليق بالصغار الذين لا يستطيعون أن يمنعوا أنفسهم من إرتكاب الأخطاء بسبب عدم نضجهم، ولا يليق بالناضجين الذين تربوا تربية حسنة، فيفعلون باستمرار وببساطة الشيء الصواب والملائم.
في حين تأتي الفضيلة بالمعنى المناقض تمامًا للعصر اليوناني في العهد القديم حين يأتي النبي "أشعيا" فيزدري –ضمنًا- الشهامة ويؤكد الإحساس بالخجل وعدم الجدارة؛ لأني إنسان نجس الشفتين، وأنا ساكن بين شعب نجس الشفتين().
ثم يطرح تساؤلًا عن أيهما المصيب وعلى حق: اليونان أم اليهود؟ وكيف نحسم هذا الصراع؟! ليصل إلى أنه صراع ليس له حل نهائي يؤدي إلى السكينة، لكنه يندرج في نمط التفكير الفلسفي لا الإيماني. و ينتقل من الفلسفة اليونانية -أي من القدم- إلى الفلسفة الحديثة(). ومنطلق الحداثة هو ماكيافيللي، حيث يبدأ في طرح أفكاره وتحليلها كمفكر سياسي من الطراز الأول، تقوم سياسته على اعتبارات المنفعة الخالصة التي تستخدم كل الوسائل المعتدلة والمشينة لتحقيق غايتها المتجسدة بشكل واضح في "تعظيم بلد المرء". وعلى الرغم من كونها سياسة ليست بجديدة، إلا أن ماكيافيللى جعلها علنية أو ممكنة التبرير. وعلى الرغم أيضًا من أن عمله السياسي يحاول-في الظاهر- إعادة ميلاد الجمهورية الرومانية القديمة، بعيدًا عن أن يكون مبدعًا أو مبتكرًا تمامًا، فإنه يستعيد شيئًا قديمًا تم نسيانه. وفي خضم ذلك العرض التحليلي تم تناول:
ثانيًا: أخلاقيات الحاكم
نظرًا للأحداث التاريخية الجسام وضعف المدن الإيطالية، كان لابد من إيجاد بطل أو قائد قادر –مُخلِّص- على إنقاذ إيطاليا من التشرذم. ومن ثم حاول ماكيافيللىأن يوجد هذا المنقذ في نطاق سلوكيات محددة ووسائل منمقة تتمثل في:
1. إعادة تأسيس/ تجديد كل شيء
في القوانين والنظم والأشخاص والأشياء والوظائف والمكانة الاجتماعية... إلخ. أي يجب أن لا تكون هنالك أي منزلة أو ثروة لا يعرف مالكوها أنها بسبب الحاكم أو "الأمير" فيقول: "يجب عليه أن يؤسس وظائف قضاه جديدة، بأسماء جديدة، وسلطات جديدة، وأشخاص جدد، ويجب أن يجعل الغني فقيرًا، والفقير غنيًا، كما فعل "داود" عندما أصبح ملكًا" ([4]). وهذا قد يتم على نحو أمثل من خلال:
2. القسوة اللابشرية
فليس من المطلوب أن يحب المحكومين حاكمهم، بل أن يهابوه على الدوام؛ فهذا سيجعله معتمدًا على نفسه، سيجعله أكثر قوة. ومن ثم عليه أن يقوم بفعل الأعمال العظيمة والخارقة بوجه عام حتى يحقق الهيبة والشهرة والانتشار السحيق كالقائد العظيم "هانيبال" والإمبراطور الروماني "الإسكندر سفيروس".
يطرح شتراوس أمثلة عدة للقسوة منها: شيزاري بورجيا 1475/ 1507 ذلك القائد الإيطالي الذي عمل على تهدئة بلده "رومانا" بتعيين "رامرو دي أوركو" حاكمًا عامًا –وهو شخص ذو قسوة وهمة- وأعطاه السلطة الكاملة. نجح "رامرو" بسرعة واكتسب شهرة هائلة عن طريق اجراءات قاسية، لكن سرعان ما أدرك "شيزاري" أن هذه الاجراءات سببت كراهية ما، فأراد أن يبين أنه إذا كانت هناك قسوة، فإنها لم تكن من أفعاله، وإنما نشأت من الطبيعة الفظة لمرؤسيه. ولهذا فقد شطره ذات صباح شطرين وسط الميدان الرئيسي في المدينة وبجانبه قطعة من الخشب، وخنجر ملطخ بالدماء. وأحدثت وحشية هذا المنظر في العامة حالة من الرضا والذهول. في حين يقول ماكيافيللىفي الباب السابع عشر من "الأمير": "وعلى ذلك أقول في الختام، فيما يتعلق بمهابة الأمير ومحبته، إن الناس يحبون بإرادتهم الحرة، ولكنهم يخافون برغبة الأمير، والأمير العاقل يجب عليه أن يركن إلى ما في سلطانه لا سلطان سواه، وما عليه سوى السعي إلى مجانبة ما يجب عليه الكراهية"(). لكن ألا تجلب القسوة المزيد من الكراهية؟!
كلا، إن القسوة تجلب الرعب، أما الكراهية فتأتي عن طريق طمع الأمير في "ملكية" مواطنيه ونسائهم، لذا عليه أن يتخلى عن هذه الملكية التي يشغف بها الناس ولا يغفلونها مطلقًا "إن الأمير يتجنب أن يكون مكروهًا إذا تخلى عن الملكية، ونساء رعاياه وبصفة خاصة ملكيتهم، التي يحبها الناس حتى إنهم يستاءون من قتل آبائهم بصورة أقل من فقدان ميراثهم" (). وحينما يكون قد أشتهر الأمير بالقسوة في الحرب -على وجه الخصوص- لن يلحق به أي ضرر.
3. اجراءات ضد الحظ
فلمزيد من إحكام القبضة وممارسة القسوة، كان لابد من تدعيم فكرة عدم الاعتماد على الحظ –أو الله على نحو أدق- حتى لا يكون التحقيق الفعلي لنظام الحكم الأمثل معتمدًا على أساس ميتافيزيقي بعيد عن الإنسان وسيطرته، وهذا يتم قطعًا عن طريق النوع الصحيح للإنسان، السوبرمان الذي يتخلق بأخلاق الثعلب والأسد، ويعرف كيف يتغير تبعًا للظروف فيصادقه الحظ دومًا ولا يُقهر أبدًا، فيقول ماكيافيللي: "يجب أن تعلم أن ثمة طريقتين للعراك، واحدة قانونية والأخرى بالقوة، الأولى للبشر، والثانية للحيوانات المفترسة. ولما كانت الأولى لا تكفي غالبًا، فيجب أن يلجأ المرء إلى الثانية. ولذلك كان من الضروري للأمير أن يعرف معرفة جيدة كيف يستخدم كلا الطريقتين.. فييجب عليه أن يحاكي الثعلب ويقلد الأسد؛ لأن الليث لا يستطيع أن يحمي نفسه من الفخاخ، والثعلب لا يقدر على أن يدافع عن نفسه ضد الذئاب..."().
ومن ثم بخصال المكر والقوة لا الوفاء والضعف يستطيع الحاكم العاقل أن يأمن بطش الأعداء، هذا قطعًا بجانب تحصين البلاد بالحواجز والجسور والسدود والمئون والعتاد وتسكين العباد بالتقتير لا السخاء؛ حتى لا تستهلك جميع الموارد ويضطر إلى فرض الضرائب فيتحول إلى جشع بغيض أو فقير حقير().
ولأن الحظ –كما يرى ماكيافيللىوشتراوس- كالمرأة لا يمكن الانتصار عليها والظفر بها إلا "بالقوة" كان لابد من الاقدام لا الحذر الشديد(). لابد من عدم الاعتماد عليه بل اتخاذ كافة الاجراءات التي تحمي البلاد من العواصف والبراكين والزلازل الغازية... "فلابد أن تساعد نفسك بنفسك، لا أن تقدم إليك كما تقدم إلى جبان... إن أساليب الدفاع الوحيدة الصالحة والأكيدة والدائمة هى تلك التي تتوقف عليك أنت بمفردك، وعلى قدراتك الخاصة().
ثالثًا: طبيعة قابلة للتغيير
يرى ماكيافيللي/شتراوس أن كمية الخير والشر واحدة في العالم لا تزيد أو تنقص على الدوام، وما يصيبه التغير فحسب الأمم والبلاد المختلفة وما تمر به من مراحل وعصور. ولهذا ينتقل إلى العالم الأصغر عالم الإنسان ليبث فيه الثقة بقدراته وانفعالاته وعلى وجه الدقة "رجل الدولة"، كي يستطيع التعامل والتكيف وفقًا للظروف وأمور الناس والحكم. "فمن الخير أن يبدو الأمير رحيمًا، وفيًا، حلو الشمائل، صادقًا، متدينًا.... ولكن يجب أن يكون عقلك مهيأ لأن تستطيع أن تتغير إلى أضداد هذه الخصال حين تحتاج إلى أن تصبح غير ذلك"(). وهذا قطعًا يخالف تعاليم أفلاطون وأرسطو وغيرهم ثم الكنيسة حيث يستنكرون الانفعالات أو الأباثيا Apathia ويمجدون العقل فالإيمان والأمر يختلف تمامًا في عالم السياسة والسياسيين "فقد تعلموا من التجربة أن هناك رذائل طالما أن هناك موجودات بشرية، ولذلك فإن تعليمهم السياسي ذو قيمة كبيرة"().
وقد يتساءل امرؤ عن كيفية الاعتراض على العقل وتمجيد الانفعال في حين يتطلب الإحكام الشديد من الأمير أن يخطط جيدًا ولا يترك زمام الأمور في يد "المصادفة" أو "الحظ".. ألا يمثل ذلك تناقضًا؟ وتكون الإجابة عليه بأن تمجيد الانفعال لا يعني رفض العقل، وإنما الإعلاء من شأن الانفعال وعدم اعتباره رذيلة لابد من التخلص منها أو التحكم فيها؛ فالحياة البشرية تتطلب الكثير من العبث والتوازن معًا، فدائمًا أبدًا لابد وأن يحاكي المرء الطبيعة المتغيرة على الدوام.
ومن هنا ذهب شتراوس إلى أن ماكيافيللىبناء على معرفة كيف يعيش المرء قام بتعليم الأمراء كيف ينبغي عليهم أن يحكموا وكيف ينبغي أن يعيشوا. حيث يحيون حياة سعيدة فاضلة قائمة على معايير واعتبارات تنصرم في القسوة اللابشرية –السابقة الذكر- بل وتوجهت هذه الأفكار والتعاليم نحو "الشباب" كفئة عريضة وهامة في كل المجتمعات بشكل مباشر وغير مباشر. شكل ألقى الذعر في نفس شتراوس فأخذ ينعت ماكيافيللى"بالمجدف الخبيث"؛ ذلك لأنه في تركيزه على وصف القسوة المفرط فيها واللازمة للحكم الأفضل، ذكر في كتابيه "الأمير" "والمطارحات" اقتباس أوحد من الكتاب المقدس ألا وهو: أشبع الجياع خيرات وصرف الأغنياء فارغين" المأخوذ من صلاة شكر السيدة مريم العذراء "أنزل الأعزاء عن الكراسي، وارفع المتضعين، اشبع الجياع خيرات، وصرف الأغنياء فارغين"().
فمن ذا الذي يستطيع أن يفعل ذلك سوى الله نفسه، وهذا يُعد تجديف مستتر خبيث؛ لأن المجدف يُحمى من العقوبة القانونية وفضلًا عن ذلك يُجبِر المستمع أو القارئ على أن يفكر في التجديف بنفسه ويصبح شريكًا للمجدف. ثم يتطرق شتراوس إلى تناول ماكيافيللىلفكرة أزلية العالم من عدمه فيقرر أن:
رابعًا: العالـم حديث
حيث يرد ماكيافيللى على الذين يقولون بأزلية العالم في كتابه "المطارحات" بأن ثبات ذاكرة الأشياء مع تغيير الملل واللغات والكوارث الطبيعية أمر محال، فعندما ينشأ شيئًا جديدًا لدى الموجودات البشرية كالدين على سبيل المثال، فإنه يمحي الدين القديم، بل وحينما يكون مصحوبًا بلغة جديدة فإنه يقضي على اللغة القديمة في يسر. "يكفي أن يقرأ المرء أعمال القديس جريجوري والقادة الآخرين للديانة المسيحية لكي يرى بأي قدر من الإصرار اضطهدوا كل السجلات القديمة عن طريق حرق أعمال الشعراء، وإعمال المؤرخين، أي عن طريق حرق الصور، وإفساد كل علامة أخرى من علامات العهد القديم، فإذا أضيف إلى ذلك الاضطهاد لغة جديدة، فإن كل شيء ينسى في وقت أقصى"([14]).
خامسًا: أصول مدنية
ينتهي شتراوس في رده لأفكار ماكيافيللىالسياسية/ الأخلاقية إلى أن المتغيرات ذات الأصل الطبيعي/ السماوي هى الزلازل والبراكين والفياضانات والجوع.... وكل ما يدخل في نظام حسابي هندسي طبيعي مقنن لا يستطيع الإنسان أن يتحكم في إيجاده. في حين أن كل الأديان ذات أصل بشري يخرج عن حدود الطبيعة، وبالتالي يجعل ماكيافيللىالدين في خدمة البشر، وفي تغير مستمر تبعًا للظروف ولإرادة الحاكم. بل قد يصل الأمر إلى إمكانية الاستغناء عن سائر الأديان إن كان هناك حاكم قوي، فيقول: "فهو لا يعرف في حقيقة الأمر أي لاهوت سوى اللاهوت المدني، أعني اللاهوت الذي يخدم الدولة، وتستخدمه أو لا تستخدمه، حسبما تتطلب الظروف. إنه يشير إلى إمكانية الاستغناء عن الأديان إذا كان هناك ملك قوى قادر. وهذا يتضمن بالفعل أنه يمكن الاستغناء عن الدين في الحكومات الجمهورية"().
سادسًا: الفوضى الخلاقة
في بدء الخلق الوجودي كانت الكلمة، وفي بدء العالم السياسي كان الخوف والفزع لا الحب والانسجام، الظلم والجور لا العدالة. فأخلاق القوة تعد أصل الوجود البشري والعالم السياسي، هذا ما يصر عليه شتراوس طوال عرضه وتحليله لأفكار ماكيافيللي. ويذكرنا هذا الإصرار بتفرقة الغنوصيين السكندريين حينما أولوا عقائد المسيحية تبعًا للتفرقة "الثنائية" القائمة على التعارض بين التوراة والإنجيل، فذهبوا إلى أن التوراة تصور لنا إلهًا قاسيًا جبارًا، بينما الإنجيل يظهر لنا إلهًا وديعًا حليمًا خيرًا().
ومن خلال الجلبة التي تحدث حينما يعم الخوف والفزع يستطيع "الحاكم" أن يستعيد الفضيلة القديمة ويؤسس نظمًا جديدة، وتكون مهمة "الشعب" فيها المحافظة عليها. فروما قد استعادت مجدها من جديد بعد أن هزمها الغاليون من خلال استعادة الفضيلة القديمة بإعادة فرض الفزع والخوف اللذين جعلا الناس أخيارًا في البداية().
سابعًا: الخاتمـة
حقًا لم يقدم شتراوس جديدًا عن ماكيافيللىفي هذه المقالة –على الأرجح- سوى إصراره على أنه يحاول تقديم الجديد للخروج من المأزق السياسي/ التاريخي. أي إعادة هيكلة القديم وتقديمه في ثوب جديد؛ لنخرج منه باستفادة أعم ومكسب سياسي/ وجودي أكبر وأكثر قوة... وقد تكون هذه الحكمة المبررة ما تقوم عليه سياسة شتراوس والمحافظين الجدد.
يقوم مشروع ليو شتراوس (المؤسس لتيار المحافظين الجدد) على فكرتين جوهريتين:
1. فكرة تلازم القوة والديموقراطية، فالعدالة لن تتحقق إلا من خلال القوة والسلطة، ويتم تنفيذها عن طريق "النخبة العالمة والنزيهة, المالكة لسلطان المعرفة والتواقة لبلوغ السلطة بغرض ضمان النفاذ لمعرفتها و"إشاعة حكمتها لخير البشرية". ولما كانت كذلك فهي حتما صاحبة الرؤية وصاحبة التخطيط في الآن معًا().
2. فكرة مكافحة النسبية الأخلاقية "على اعتبار أن الحقيقة الفلسفية لا تقبل التسويات". وهذه الحقيقة عندما تبلغ مجال السياسة فإنها " تلهمها مضامينها وقوامها الأخلاقي" الذي تعمل النخبة العالمة على تصريفه بعدما يكون قد تسنى لها صياغته والتنظير له. وهذا يتضمن قطعًا الاعتماد على التراتبية الاجتماعية.
فمقالته عن ماكيافيللىتعد بذور أولية لتكوين "وعي تاريخي" كبنية أساسية ونقطة انطلاق ضمنية لتياره السياسي المعاصر. بذور أولية كتبت باقتضاب معترف به نصًا خلال العرض بقوله: "لا يحتملها السياق الحالي أو الواقعة تحتاج إلى فحص آخر أبعد أو لا أستطيع أن أعالج هذه المسألة بصورة قاطعة داخل المساحة المتاحة لي... إلخ"(). ويعتمد فيها على تحليل الاهداءات الماكيافيللية، فيفضي مكنون المضمون تبعًا للشخص المهدى إليه العمل، وما لهذا الشخص من سمات وتأثير على نفس ماكيافيللي. فيكشف عن مدى اتساق الكتاب/ الأفكار تبعًا لخطة ما محكمة.
كذلك يسلك تبعًا للمنهج الردي Reductionism الذي يلجأ في البحث التجريبي عن الأشياء/الأفكار بردها إلى أصولها. فنجده –مثلًا- يرد بعض الأقوال التي جاءت على لسان "كاستريكو" بطل كتاب "حياة كاستريكو كاستراكاني" لماكيافيللي، إلى ما قيل على لسان "سقراط" في كتاب "حياة مشاهير الفلاسفة" لديوجنيس لارتيوس. فيقول: "غير ماكيافيللىالأقوال في بعض الحالات لكي يجعلها مناسبة لـ "كاستريكو". ويدون عند ديوجنيس أن فيلسوفًا قديمًا قال :إنه يريد أن يموت مثل سقراط، ويجعل ماكيافيللىهذا قول كاستريكو، على الرغم من أنه يريد أن يموت مثل قيصر"().

Tuesday, January 26, 2010

في مدرستنا... كاتب
تدشينا لأنشطته الثقافية لهذا الموسم، استضاف نادي "أصدقاء الفلسفة" الحديث العهد بالتأسيس في الثانوية التأهيلية القاضي عياض صديقنا الأستاذ أحمد بوعود مؤلف كتاب "الاجتهاد بين حقائق التاريخ ومتطلبات الواقع". اللقاء الذي يأتي بغرض فتح جسر من التواصل مع وجوه الحياة الثقافية في مدينتنا وبين جيل "الليسيوم" باعتباره جيل المستقبل، تناول مختلف الإشكاليات التي يطرحها مفهوم الاجتهاد سواء من الناحية النظرية أو التطبيقية، في الماضي أو في الحاضر بغية تأسيس ممارسة اجتهادية متوازنة بين متطلبات الواقع وحقائق التاريخ كما يعتقد في ذلك مؤلف الكتاب مدار الجلسة. يشار إلى أن هذا اللقاء الافتتاحي الذي تم التنسيق فيه مع "الجمعية الفلسفية التطوانية"، قدمه الأستاذ بدر الحمري حيث تميزت كافة لحظاته بحوار هادف وبناء كان المتدخلون فيه طلبة وأساتذة ومربين يستشعرون ما لعصرنا الراهن من مقتضيات أحرى بالنظرية الاجتهادية أن تعالجه المعالجة التي تليق بتحدياته. وقد تميزت كافة التدخلات بصراحتها وبراءتها وصدقها ومن سائرها واحدة لناظرة الثانوية الأستاذة نادية البقالي التي وصلت بين مسؤولية الإداري وغيرة المربي وأمانة المثقف وأعطت المثال الحي على ما ينبغي أن تكون عليه علاقة الإدارة بالإرادة من اتصال لا من انفصال.

Thursday, January 14, 2010

خ. كارلوس فيلا ألونسو

من مؤلفاته الفلسفية
يحل هذه الأيام الفيلسوف الشخصاني "خوان كارلوس فيلا ألونسو" ضيفا كريما على "الجمعية الفلسفية التطوانية" في سياق مد جسور التواصل الفلسفي والتعاون الثقافي بين العدوتين. وعلى هامش إقامة مترجم "مونييه " إلى القشتالية بين أظهرنا، من المنتظر أن تنظم جمعيتنا لقاء فكريا بحضوره مع جمهور المثقفين في تطاون للتعرف على الوضع الفلسفي الإسباني الراهن ومختلف القضايا الفكرية المتصلة به.

Tuesday, December 22, 2009

خ. أورتيغا. إ. غاسيت
بعد شرفة "أورتيغالوخيا"، تم إنشاء منتدى آخر باللسان القشتالي تحت اسم Circunstancias orteguianas يعنى بفكر الفيلسوف الإسباني "خوسي أورتيغا إي غاسيت" (1883-1955)، ويعرف بعطائه في ميدان الفكر الفلسفي الإسباني والعالمي من وجهة نظر مهتمين بالشأن الفكري والفلسفي الإسباني في مدينتنا العامرة وسائر الامتداد الأورتيغياني. المنتدى الذي تم إنشاؤه من منظور الانشغال بالفلسفيات الإسبانية، يتضمن أبوابا تتوزع على مختلف مناحي حياة وفكر مؤلف "موضوع عصرنا" كـ"المشاهد" الذي يرصد مستجدات فيلسوف العقل التاريخي، و "تأملات حول المعلم" اللاقطة لذبذبات فكره...إنها صيغة أخرى للتلاقح الفكري على أرضية فلسفية أغلب الظن أن إحدى ميزاتها العناية بالحدث الأورتيغياني-بما هو مجلة للغرب- أثناء وقوعه في العالم العربي، وتحليله بلغته الأم، وفتح الحوار والجوار لتأمله والتعليق عليه بين المنتمين لأفقه والمشاهدين لشفقه.
م.ب.أ

Wednesday, December 16, 2009

الفكر السيوسيولوجي بالمغرب
تلقت "الجمعية الفلسفية التطوانية" دعوة كريمة من جمعية "أصدقاء السوسيولوجيا بتطوان" لحضور أشغال المنتدى الأول للفكر السوسيولوجي بالمغرب" الذي سينظم خلال أيام 17 و 18 و 19 من الشهر الجاري بكل من تطوان والمضيق ومرتين. شكرنا الخالص لأصدقاء السوسيولوجيا بتطوان ومتمنياتنا لمنتداهم الأول بالنجاح والتوفيق.

Friday, December 11, 2009

الأستاذ حميد الحريزي
تلقينا رسالة تهنئة كريمة من صديقنا الأستاذ حميد الحريزي رئيس تحرير مجلة "الحرية" بمناسبة احتفالنا باليوم العالمي للفلسفة مرفقا إياها بهذا المقال/الهدية. ومما جاء في رسالة عضو هيئة تحرير موقع "شبكة عراقنا" الإخبارية: "نكبر فيكم احتفالكم النوعي المميز في الوطن العربي بيوم الفلسفة ونأمل أن تكون نبتتكم هذه وارفة الظلال لتشملنا بظلها،؛ فبالفلسفة تزدهر الحياة وينهزم الظلم والظلام".
خالص شكرنا لصديقنا المحترم على التفاتته الطيبة، وأصدق آمالنا أن نكون ممن ينتصرون للفلسفة انتصار قوي عزيز.
بعد انهيار الدكتاتورية انتشرت على طول وعرض البلاد المئات من المنظمات المهنية والإنسانية وبمسمى منظمات المجتمع المدني لمختلف الأغراض والأهداف الحقيقية منها والوهمية، ومنها من يتستر تحت هذا الاسم أو ذاك ليقضي نشاطا أخر بعيداً كل البعد عن الهدف والاسم المعلن , وقد برع العديد من متصيدي الفرص في طريقة الالتفاف والاحتيال وابتداع الأسماء والشعارات واللافتات في مختلف المجالات، بحيث أصبحت هذه المنظمات والجمعيات والنوادي وسيلة للكسب المادي والمعنوي والاستحواذ على حقوق ومال الغير والحصول على الهبات والمساعدات من الداخل والخارج . ولكننا في كل هذا الهوس وهذا التدافع باللافتات والإعلانات والمقرات لم نجد مقرا واحدا ولا لافتة واحدة تمت بصلة سواء من قريب أو بعيد إلى الفلسفة , والتي أرى أنها الفقيدة الأولى في عراق اليوم والأمس والمستقبل وكأن وطننا لايطيق الفلاسفة وكأننا الأول في العالم في عدد الفلاسفة ممن يتفكرون في شؤون الكون والعباد فلا حاجة لنا بالفلسفة والفلاسفة .
كما إننا لم نشهد لقاء واحدا في فضائياتنا لأي فيلسوف أو شارح فلسفة أو متحدث عن تاريخ أو مدارس الفلسفة ولو 1% من ندوات ولقاءات الشعر الشعبي مع احترامنا للشعر والشعراء شعبيين وغير شعبيين أو 1% من المحللين السياسيين ممن اضجروا شاشات التلفاز ناهيك عن المشاهدين بطلعتهم وفي أكثر من فضائية كأنهم قطط تتنقل بخفة بين صحون الستلايت على سطوح المنازل, ناهيك عن الصحف والجرائد والمجلات، فيبدو إننا شعب لا حاجة له بالفلسفة ؟ ومعلوم من هو الشعب الذي لا حاجة له بالفلسفة ؟ فإما أن يكون متفلسفا بكامله فالفلسفة زاده اليومي ؟ أوهو شعب يغط في حالة الركود والسكون والخضوع وإقفال باب التساؤل والنقد والشك ؟ ولا أظن إننا من النوع الأول ومنذ أقدمنا على حرق كتب ومؤلفات ابن رشد وحاربنا من سبقه ومن خلفه؟؟؟
فلا يمكن أن يكون الشعب منتجا إذ لم يكن شعبا متفلسفا.
فان من ارتقى بالشعوب صوب التقدم والتطور والحضارة هم الفلاسفة . العالم يعرف جيدا فضل أفلاطون وأرسطو طاليس وكانت وهيدجر و هيغل وماركس . و.. و .. .،حيث الفلسفة هي العلم الأكثر نقدا وشكا وتساؤلا وأكثر العلوم مشاكسة، الفلسفة تعني الحركة ضد السكون والجمود، الشك والتساؤل ضد اليقين والتحجر , التطلع نحو الامام وكسر القيود بدل التقهقر للخلف والانزواء في كهوف الماضي والرضا بسلاسل الأعراف والتقاليد والاحكام الثابتة والمتكلسة.
ويحق لنا ان نسأل كم فيلسوفاً عربياً أو كم فيلسوفاً عراقياً وكم فيلسوفاً إسلامياً عندنا ، مقارنة بما أنجبته وولدته واستولدته الحضارات الحية في العالم ؟
ما هو سبب إصابتنا بالعقم الفلسفي ؟
ومن أخصى عقولنا واقتلع أرحام شعوبنا وحرم عليها ولادة الفلاسفة، ومن هو المستفيد ؟
أو من هو الذي يقف وراء هذا الاخصاء وهذا الإخفاء والامحاء لدور الفلسفة والفلاسفة ؟
نسال أين هي حصة درس الفلسفة في مدارسنا على مختلف مستوياتها ؟
وأين هي حصة الفلسفة في معاهدنا وكلياتنا الإنسانية ناهيك عن العملية منها؟
وكيف يمكن ان يفكر الإنسان بدون ان يمتلك نهجا فلسفيا علميا وعمليا أي منهجا لحياته حسب قناعته؟ أليس من الجدير بنا ان نمد أجيالنا ولو بصورة مبسطة أهم المدارس الفكرية والفلسفية في العالم خيالهم وتكون عقولهم رحبة وعارفة بما يدور في العالم ، وهو الطريق السليم لتربية جيل ناقد وعقول فاعلة منتجة ، لنحصنها بذلك ضد جميع أنواع الهرطقات والخرافات والخزعبلات ليكونوا انذاك شبابنا حطبا لنيران الدجالين والمشعوذين.
لسنا فلاسفة , ولكننا نرى ان الفلسفة هي الإكسير الشافي والمعافي من دياجير الظلام الزاحف وخصوصا على عقول شاباتنا وشبابنا ، ليكون لقمة سائغة كاملة لذئاب الجهل والخرافة ،ممن لا يمكن ان يكون لها مقام ولا يسمع لهم كلام إلا في بؤر الجهل والجمود والتخلف لذلك نرى أن اشد أعداء الأنظمة الدكتاتورية والاستبدادية على مدى التاريخ هم الفلاسفة والحكماء ، نرى كل فروع العلم مسموح لها بالنمو والانتشار والازدهار إلا الفلسفة لأنها الكاشف لكل زيف والمذيبة في وهج نورها كل قناع يتقنع به المستبدون والديكتاتوريون والظلاميون والجهلة .لأنها تفك كل عصائب التضليل والتجهيل عن عيون الناس المظلومين والمضطهدين والقانتين والمستكينين في ظل دوغما الاستبداد والجهل والظلم والخرافة والسحر
(لايمكن لديكتاتور أن يركب على رقبة شعب واع.وتشكيل الوعي بتكوين العقل النقدي...ولذا كان لابد من وعي خاص وهذا الوعي يجب أن يكون اجتماعيا...،ويمكن اليوم لأرسطو وزينون لو بعثا أن يشتركا في مناقشة اعقد المسائل الفلسفية والسياسية في برلمانات الحكم وسيجدان الخميرة الفكرية التي وصلا إليها لم تتطور كثيرا عن أيام أثينا)
كتاب "كيف تفقد الشعوب المناعة ضد الاستبداد؟"، ص181.

Thursday, December 03, 2009

Asoci. Filosófica Tetuaní
نعلن لأصدقائنا في خصوص تطاون، وعموم العالم، أن بريد جمعيتنا التالي:
jamiafalsafiatetuania@yahoo.es
قد تم تغييره ببريد آخر هو:
asociafilotetuani@yahoo.es
ومن ثم تلتمس "الجمعية الفلسفية التطوانية" من جميع أصدقائها مراسلتها مستقبلا على هذا العنوان الجديد مع الرجاء بتفهم هذا التغيير الاضطراري الخارج عن إرادتنا.
محمد بلال أشمل
الجمعية الفلسفية التطوانية
http://asofilotetuani.jeeran.com/

Saturday, November 21, 2009

جانب من حفل الافتتاح

بومة الحكمة في "الفدان"
بمناسبة اليوم العالمي للفلسفة لعام 2009، وضعت "الجمعية الفلسفية التطوانية" برنامجا احتفاليا حافلا بالمحاضرات والندوات والمعارض (صور الفلاسفة المغاربة والأجانب تحت شعار "من صداقة الحكمة إلى صداقة الحكماء") وحلقات نقاش (أي فكر مغربي مستقبلي) كان مدارها حول "الفلسفة ومصير عالمنا الراهن". وحسب فقرات هذا البرنامج، فقد احتضنت مؤسسة الرازي للتعليم الخصوصي بتطوان يوم الخميس 19 نوفمبر 2009 على الساعة الرابعة عصرا حفل افتتاح هذه الدورة بحضور جمهرة من المثقفين والأساتذة والتلاميذ والمواطنين حيث تعاقب على منصة الخطابة ثلة من المدعوين كان أبرزهم قيدوم أساتذة الفلسفة في تطوان الأستاذ أحمد المرابط. ومما جاء في الكلمة العامة التي ألقاها محمد بلال أشمل بهذه المناسبة ما يلي:
(..) يطيب لي الترحيب بكم في الحفل الافتتاحي الذي تنظمه جمعيتنا بمناسبة اليوم العالمي للفلسفة. إنه يوم رمزي في تاريخ حياتنا العقلية الوطنية؛ ننخرط فيه بوعي وبمسؤولية، على امتداد أسبوع حافل بالأنشطة الثقافية والمبادرات الفكرية مشاركة منا أهل الصنعة احتفالاتهم الدولية الجارية في مختلف أصقاع العالم.
أيها الحضور الكريم:
لقد تأسست جمعيتنا يوم 26 من 2006 من لدن ثلة من المفكرين والمثقفين المغاربة الذين يعيشون ويشتغلون في مدينة تطوان. إن خصوصية التخوم الجغرافية، وإكراهات التاريخ القريب والبعيد، جعلتنا ننهض بمسؤولية تقديم نمط جديد من التداول الفكري في خريطة فكرنا الوطني وهو العناية بالفكر الفلسفي أساسا، وبالفكر المغربي منطلقا، وبالفكر الإسباني تحاورا، وبالفكر الإنساني امتدادا؛ تكثيرا منا لأسباب التلاقح الثقافي مع الفكر الفلسفي العالمي. ولقد قطعنا شوطا لا يستهان به في هذا المجال حتى صرنا نعرف، لدى المهتمين بالشأن الفكري والثقافي في بلادنا والعالم، بهذه الميزة في مجموع التداول الفكري المغربي، وصارت مدينتنا، بفضل ذلك، مشهورة الأثر في بعض المحافل الإسبانية والأمريكولاتينية، بحياتها العقلية والفكرية إلى جانب فضائل أخرى تعزز مكانة بلادنا في المنتظم الفكري العربي والدولي، بل وصرنا، على حداثة عهدنا بالتأسيس، أحد المخاطبين الأساسيين لقسم "الفلسفة والعلوم الاجتماعية" التابع لمنظمة اليونيسكو بباريس، في بلادنا، ومن ثم أصبحنا نتوفر على رصيد محترم من الإنجازات الثقافية في التقرير السنوي لليونيسكو المتعلق بالفلسفة وحياتها. إن عود جمعيتنا طري، ومع ذلك فقد تحصل لدينا مجموع طيب من المبادرات الفكرية والأنشطة الثقافية والمشاريع المستقبلية استطعنا بفضلها، ولأول مرة في تاريخ تداولنا الثقافي، جعل الفلسفة، بما هي معرفة وموقف من العالم، عنصرا أساسيا في عموم الانشغالات الثقافية؛ ليس فقط لدى النخبة من المواطنين، بل ولدى الفئات المتعلمة التي نراهن على صفاء طويتها المعرفية لكي تبذر البذار الطيبة من أجل نهضة متجددة لوطننا. وهكذا فقد قرت عزيمتنا، منذ تأسيس جمعيتنا على الحضور الدائم في المؤسسات التعليمية العمومية والخصوصية التي نعتبرها تربة المستقبل والمكان المناسب لاختبار الحدوس والتصورات حول وطن الإرادة؛ فكانت المؤسسات التعليمية العمومية والخصوصية بتنسيق كامل مع السلطات التربوية في مدينتنا هي من تحتضن بعض فقرات الاحتفالات التي أقمناها بمناسبة اليوم العالمي للفلسفة منذ تأسيس جمعيتنا. ولقد ساعدنا على ذلك أن أغلبنا ينتمي إلى حقل التربية والتعليم بمعناه الخاص والعام، ويدرك بوعي وقلق، حجم المسؤولية الفكرية والأخلاقية الملقاة على عاتقه لكي يقوم بما يقتضيه المقام من المشاركة من موقعه، ببناء المشروع الوطني على هدي قيم الحق والخير والجمال. وهكذا ضمنا الحضور الواقعي في النسيج الثقافي والتربوي داخل مدينتنا وبلادنا وخارجهما، حيث قمنا بما اقتدرنا عليه من أعمال فكرية، ومن مبادرات ثقافية متجاوزين حالة الترهل الثقافي التي أصابت بعضنا، وغير ملتفتين إلى هذه العدمية الرهيبة التي يبرر بها البعض تقاعسهم عن القيام بواجبهم الفكري والثقافي والتربوي تجاه مدينتهم ووطنهم. كما ضمنا حضورنا الافتراضي على الشبكة الرقمية حيث جعلناها مرآة للحياة العقلية كما هي جارية في خصوص مدينتنا أو في عموم بلادنا أو في مجموع العالم؛ ساعدنا على ذلك اصطناعنا لوسائل الاتصال الحديثة عبر شرفتنا التواصلية التي حققت لنا انتشارا مهولا في الفضاء الافتراضي، وأثمرت لنا صداقات روحية وعقلية وفعلية مع أطراف عديدة من صناع الفكر والثقافة في نقاط متعددة من الأرض. إن الطريق شاقة وطويلة لكي نحقق غاياتنا الفكرية والثقافية، ولكن آمالنا أوسع من المسافات، وإرادتنا أقوى من الإحباطات، وعزيمتنا أصلب من الآفات. أليس على قدر أهل العزم تأتي العزائم؟
أيها الحضور الكريم:
إن اليوم العالمي للفلسفة الذي تلتقي اليوم للاحتفال به، انطلق العمل به منذ عام 2002 من لدن اليونيسكو، وتم تسجيله كيوم عالمي في لائحة الأيام الوطنية عام 2005. ومنذ عام 2006، العام الذي أسسنا فيه "الجمعية الفلسفية التطوانية"، دأبنا على الاحتفال به، عبر تنظيم جملة من الأنشطة الثقافية والندوات الفكرية والمعارض وحلقات النقاش الفلسفية امتد مداها إلى خارج المدينة في المنتديات الثقافية الواقعية منها والافتراضية. إنه يوم يكثف رمزية العقل في تأمله للعالم، وتجديد سؤاله القلق بواقعه ومصيره، وإعادة صياغة موقفه من قضايا الإنسان المصيرية، والسعي إلى وضع تصوراته بصدد المحيط العام الذي يعيش فيه هذا الإنسان كوجود قيمي، شخصي، يستحق أن يعيش بكرامة وحرية. ولهذا فقد كانت السنوات الماضية التي احتفلنا فيها بالفلسفة-الذي هو في الواقع احتفال بالإنسان في كليته وفي محيطه في عموميته- مناسبة تأملنا فيها "الفلسفة في عالمنا"، وأنجزنا "التفكير في المغرب: الوجود والمصير"، وسعينا إلى "التأريخ للفلسفة في تطاون" باعتبار الفلسفة نمطا من الوجود العقلاني الواعي بوجوده ضمن كلية حسية وروحية هي المغرب، اخترنا الانتماء إليها بحرية مسؤولة، مختارة، واعية، وملتزمة في نفس الوقت عن طريق "المدينة" بما هي كيان حداثي، يعزز وحدتنا الوطنية وثراءنا الفكري وغنانا الثقافي. أما هذا العام، فقد اخترنا الاحتفال باليوم العالمي للفلسفة بوضعها في مرمى المصير باعتبارها سؤالا مستقبليا بامتياز. وهكذا صغنا موضوع وقضية هذا العام: "الفلسفة ومصير عالمنا الراهن". إن سؤال المصير سؤال فلسفي بامتياز. ومن منطلق الانتماء إلى الفلسفة خصوصا، والانتماء إلى الفكر عموما، أحببنا العناية بالعالم في مصيره وصيروته: إن الصيرورة العامة لعالمنا تبعث على القلق: الدمار البيئي الذي لحق بعالمنا، التردي الروحي الذي أصاب الإنسان، العلاقات الإنسانية التي ارتهنت للعنف والحرب والعدوانية، الحقوق المادية والمعنوية المهضومة في كل شبر من الأرض المعمورة، القلق العام الذي ينتابنا كآباء من مستقبل أبنائنا الأخلاقي في ظل انعدام أو تشوش النموذج الأخلاقي الذي ينبغي أن يكون الإسوة والمثال.... كل هذه الأمثلة ونظيراتها، تجعلنا نقلق على حالة العالم، لأنه بيت الإنسان الذي نعنى به في المقام الأول، ولو لم نقلق على بيت الإنسان أكان سيكون معقولا قلقنا على الإنسان؟ هكذا أحببنا إثارة سؤال المصير: مصير القيم إذا وجدت، ومصير الإنسان إذا كرم، ومصير عالمه إذا كان آمنا.
أيها الحضور الكريم:
كان سيكون مستحيلا منذ سنوات أن تنهض فئة من الناس وتدعو إلى الاحتفال باليوم العالمي للفلسفة لأن الوضع العام في بلادنا كان حبيس سوء فهم كبير،غير مبرر معرفيا ولا سياسيا ولا ثقافيا مع الفلسفة وأهلها، ولاسيما في مدينتنا التي عرف عنها الاشتغال بالسمعيات دون العقليات. لقد جرى ماء كثير تحت قنطرة المغرب. وصار في إمكاننا الحديث عن رمزية الاحتفال بالفلسفة فيما هي احتفال بالعقل والعقلانية على تعدد أنماطها وتنوع طرائقها. الحفلة لحظة وجودية للتأمل في العالم والفرح به. إنها بمثابة استراحة المحارب الذي هو بسبيله إلى تغيير هذا العالم. ولكن هل ترانا فهمنا هذا العالم لكي نغيره؟ ولقد قدر لنا شخصيا أن نكون المبادرين منذ عام 1995 إلى الاحتفال بالفلسفة عبر المساهمة في تجديد الدرس الفلسفي في مدينتنا، والتفكير ثقافيا في القضايا الفكرية التي تقتضيها مسؤولية الاشتغال بالفكر الفلسفي في أفق ثقافي وتاريخي مثل المغرب، المرمي في أقصى الوجود، ومثل تطاون المتروكة في أقصى العدم، عسى نفهم هذا العالم لكي نقتدر على تغييره. هاهنا بالضبط تقع مسؤوليتنا كرجال الفكر بين أقصى الوجود وأقصى العدم: أن نستحق انتماءنا إلى شرطنا المعرفي والتاريخي والثقافي. هكذا ساهمنا في تصالح الناس مع الفلسفة حيث ربحنا رهان المفارقة السيزيفية: المجتمع الذي يعادي الفلسفة ويسخر منها هو ذاته المجتمع الذي يرسل أبناءه إلى تحصيل العلم بها. ولنكن واقعيين: لقد ربحنا نصف الرهان، أما الرهان كله فمتروك للصراع الاجتماعي والتاريخي الذي يتجاوزنا كأفراد إلى مصير المجتمع عموما. وليس مسعانا إلا كمن قال "إشعال شمعة أفضل من لعن الظلام".
أيها الحضور الكريم:
لا لم نحتفل بالفلسفة بمفردنا. هاهو المجتمع الذي تمثلونه يحتفل معنا. ولأول مرة في تاريخ التداول الثقافي والفكري في مدينتنا يتم هذا التصالح الصريح بين الفلسفة والمجتمع حيث جاء المجتمع يستطلع "طلسم" الفلسفة، وهاهم أهل الصنعة يقدمون نواياها الحسنة تجاه المجتمع: كأني بمشروع تسوية بين الفلسفة والمجتمع جار تفعيله اليوم ينهض بمقتضاه كل طرف بمسؤوليته تجاه قضية مشتركة هي قضية "المستقبل" المتمثل في أبنائنا: فحين يتعلق الأمر بمستقبل أبنائنا ليس هناك مجال للاختلاف ولا للمناورة. لا بد من الاتفاق على صيغة تسوية لأن المستقبل الذي نحن بصدد بنائه ليس في النهاية إلا مستقبل الوطن، فهل لدينا غير هذا المغرب الذي تغربنا في محبته بين أقصى الوجود وأقصى العدم؟
ودعوني قبل أن أختم كلمتي أن أسوق إليكم تأملا آخر بصدد هذه المناسبة: لقد بقي على أهل الفلسفة أن يربحوا نصف الرهان الآخر: أن يخرجوا من الليسيوم إلى "الأغورا" ويغادروا "الأكاديمية" إلى الساحة العمومية، ويهبطوا "الفدان" من "براعم الرازي"... عليهم أن يصنعوا صنيع الفلسفة في نشأتها الأولى، أن يعودوا بها إلى أصلها ومنشئها في الساحة العمومية فتساهم من ثم، في بناء عقل ووعي ووجدان المستقبل، ليس في المدرسة كمكان اجتماعي عمومي وخصوصي، بل في المجتمع كفضاء مفتوح على التحدي الأكبر الذي يجعل من فكرها أكثر يقظة مما كانت عليه داخل "الكهف"، ومن عقلها أكثر انتباها إلى مكر التاريخ.
أيها الحضور الكريم:
لا بد من كلمة شكر في الأخير لمن هيؤوا أسباب هذا الاحتفال باليوم العالمي للفلسفة. إنهم الدليل الحي على أن المجتمع صار يعي أن خلافاته مع الفلسفة لا بد لها أن تتكسر على مذبح التضحية من أجل المستقبل. إن الذين هيؤوا أسباب هذا الاحتفال، وضمنوا نجاحه المأمول كثيرون ولكني حريص على تسمية بعضهم حتى ينسب الفضل لأهله: للسلطات التربوية في مدينة تطوان التي أذنت لنا بالحضور في المؤسسات التربوية العمومية والخصوصية لكي نقوم بواجبنا الفكري والثقافي والتربوي، لإدارة مؤسسة براعم الرازي للتعليم الخصوصي التي احتضنت حقا وواقعا هذا الحفل الافتتاحي الذي نحن بصدد شهود إحدى فقراته، ولا سيما المسؤول عن قسم التنشيط الثقافي والتربوي فيها صديقنا الأستاذ عبد الغني أبرو الذي تتبع معنا ميلاد الفكرة وترعرعها ثم تنفيذها... لأصدقائي الأساتذة الأجلاء الذي قبلوا دعوة جمعيتنا بالمساهمة معنا في إلقاء محاضراتهم ضمن الجداول الزمانية والمكانية التي وضعناها احتفالا بهذا اليوم في بعض المؤسسات التربوية العمومية والخصوصية... لرجال الإعلام والصحافة الذين أذاعوا بين الناس خبر احتفالنا هذا، وسيذيعون باقي فقراته في صحفهم الورقية والرقمية والأثيرية ولا سيما لإذاعة طنجة التي حرصت على نقل تصريح لنا بصدد هذا الاحتفال...لأصدقائنا الأعزاء أساتذة ومثقفين ومربين الذين آزرونا في كل مرحلة من مراحل التهئ لحفلنا هذا...لأصدقائنا في الضفة القشتالية والأمريكولاتينية الذين هنؤونا في يومنا هذا وتمنوا لنا يوما حافلا بالجمال والخير... لأختينا الفاضلتين مريم وحنان اللتان نفذتا الإخراج الفني لملصقنا وللوحات الإشهار المرافقة له... لأبنائي وبناتي تلاميذ وتلميذات هذه المؤسسة التربوية الذين تحمسوا لاحتضان حفل الافتتاح وبالخصوص "براعم الفلسفة" في حديقة الجذع المشترك علمي 3 الذين أتمنى لزهرتهم أن تتفتح في تذوق حلاوة التفلسف وتينع في لذة العلم ... لهذه الوجوه الطيبة من الحضور الكريم الذين شرفونا بحضورهم وقاسمونا فرحتنا بعيد العقل... لكل هؤلاء أقول: شكرا لكم وكل عام وأنتم بألف حق وخير وجمال.
والسلام
محمد بلال أشمل
تطاون العامرة

Sunday, November 15, 2009

الفلسفة ومصير عالمنا
بمناسبة اليوم العالمي للفلسفة 2009 ، تنظم "الجمعية الفلسفية التطوانية" سلسلة أنشطة ثقافية من محاضرات ومعارض وندوات فكرية في الفترة الممتدة بين 19 و 26 نوفمبر 2009 في مختلف الثانويات التأهيلية العمومية والخصوصية. وستشهد مؤسسة براعم الرازي حفل الافتتاح يوم الخميس 19 نوفمبر على الساعة الرابعة بعد الزوال. وقد اختارت الجمعية "الفلسفة ومصير عالمنا الراهن" كمحور لانشغالاتها لهذا العام حيث ستقدم مجموعة من المحاضرات والندوات التي تمضي في اتجاه إثارة سؤال المصير في القيم والدين والتربية والعقل وفي البرنامج التالي:
· الخميس 19 نوفمبر 2009 ، مؤسسة براعم الرازي الخصوصية ، تطوان.
· الساعة: 16:00- 18:00
- افتتاح الاحتفال باليوم العالمي للفلسفة
- كلمة توجيهية للجمعية الفلسفية التطوانية
- كلمة مؤازرة للسيد النائب الإقليمي لوزارة التربية الوطنية بتطوان.
- كلمة دعم لمؤسسة براعم الرازي للتعليم الخصوصي.
- كلمة رمزية للمستقبل من لدن ممثلي التلاميذ والتلميذات.
- انطلاق أشغال الندوة الافتتاحية بعنوان "أي نموذج أخلاقي نطمح إليه مستقبلا؟" بمشاركة: مجموعة من الأساتذة والمربين.
· الجمعة 20 نوفمبر 2009، الثانوية التأهيلية القاضي ابن العربي، تطوان
· الساعة : 16:00- 18:00
محاضرة الأستاذ بدر الحمري، " مصير القيم الإنسانية في عالم متحول".
· السبت 21 نوفمبر 2009 ، الثانوية التأهيلية الشريف الإدريسي، تطوان.
· الساعة : 16:00- 18:00
محاضرة الأستاذ سعيد زبيدة: "هل نحتاج إلى الفلسفة مستقبلا؟"
· الثلاثاء ، 24 نوفمبر 2009، الثانوية التأهيلية جابر بن حيان، تطوان.
· الساعة: 10:00- 12:00.
محاضرة الأستاذ عثمان أشقرا: " محبة العالم من محبة الحكمة".
· الثلاثاء، 24 نوفمبر 2009، الثانوية التأهيلية الأزهر، تطوان.
· الساعة : 16:00- 18:00
محاضرة الأستاذ عزيز الهلالي: "الفلسفة وقيم الديموقراطية".
· الأربعاء 25 نوفمبر 2009، الثانوية التأهيلية القاضي عياض، تطوان.
· الساعة : 16:00- 18:00
محاضرة الأستاذ احمد بوعود: " البعد الروحي للإنسان المعاصر في ظل التحولات الراهنة".
· الخميس 26 نوفمبر 2009، الثانوية التأهيلية خديجة أم المؤمنين، تطوان.
· الساعة : 16:00- 18:00
محاضرة الأستاذ الحسن الغشتول: " أي أدب لأي مستقبل؟".
· الخميس 19 نوفمبر إلى 26 منه 2009:
· التوقيت المدرسي من 11 صباحا إلى 12 زوالا ومن 4 إلى 5 بعد الزوال.
معارض مفتوحة وحلقات نقاش:
- معرض الكتاب الفلسفي والفكري المغربي وحلقة نقاش "أي فكر مغربي مستقبلي"؟ من تأطير مجموعة من الأساتذة، الجمعة الساعة 10 صباحا، ثانوية المنصور الذهبي الخصوصية.
- مؤسسة براعم الرازي الخصوصية، تطوان: معرض صور الفلاسفة والمفكرين المغاربة والأجانب تحت شعار "من صداقة الحكمة إلى صداقة الحكماء".

Tuesday, October 20, 2009

الأستاذ طه عبد الرحمان
بمبادرة طيبة من شعبة اللغة العربية وآدابها بجامعة عبد المالك السعدي بتطاون، سيلقي الفيلسوف المغربي الأستاذ طه عبد الرحمان درسا افتتاحيا بعنوان "الأخلاق العالمية: مداها وحدودها" وذلك يوم الأربعاء 21 أكتوبر على الساعة العاشرة صباحا بمدرج عبد الله كنون برحاب كلية الآداب بثغر مرتين.
